{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} الآية، لما ذكر أنهم حرموا ما حرموا افتراء على الله، أمره تعالى أن يخبرهم بأن مدرك التحريم إنما هو بالوحي من الله تعالى وبشرعه لا بما تهوى الأنفس وما تختلقه على الله تعالى. وجاء الترتيب هنا كالترتيب الذي في البقرة والمائدة وجاءت هنا هذه المحرمات منكرة والدم موصوفًا بقوله: مسفوحًا. والفسق موصوفًا بقوله: أهل لغير الله به. وفي تينك السورتين معرفًا لأن هذه السورة مكية فعلّق بالمنكر وتانك السورتان مدنيتان، فجاءت تلك الأسماء معارف بالعهد وحوالة على ما سبق تنزيله في هذه السورة.
و {إِلاَّ أَن يَكُونَ} استثناء منقطع لأنه كون والمحرم عين من الأعيان. ويجوز أن يكون بدلًا على لغة بني تميم، ونصبًا على لغة الحجاز، كقوله تعالى:
{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ}
[النساء: 157] لأن اتباع الظن ليس بعلم فهو استثناء منقطع، واسم كان ضمير مذكر يعود على محرم تقديره إلا أن يكون المحرم ميتة. ومعنى مسفوحًا، أي مصبوبًا سائلًا كالدم في العروق لا كالطحال والكبد. وقد رخص في دم العروق بعد الذبح. وقيل لأبي مجلز القدر تعلوه الحمرة من الدم، فقال: إنما حرم الله تعالى المسفوح. وفي قوله: أو دمًا مسفوحًا، دلالة على أن دم البق والبراغيث والذباب ليس بنجس لأنه ليس بمسفوح. والظاهر أن الضمير في فإِنه عائد على لحم الخنزير. وزعم أبو محمد بن حزم أنه عائد على خنزير فإِنه أقرب مذكور. وإذا احتمل الضمير العود إلى شيئين كان عوده على الأقرب أرجح، وعورض بأن المحدّث عنه إنما هو اللحم.