والكتب قد جمعها هذا الكتاب وهذا الدين، وفاق عليها بمحاسن وأوصاف لم توجد في غيره، وقرَّر نبوته بأنه أمِّي لا يكتب ولا يقرأ، ولا جالس أحداً من أهل العلم بالكتب السابقة، بل لم يُفَاجَأ الناس حتى جاءهم بهذا الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أتوا، ولا قدروا، ولا هو في استطاعتهم، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وأنه محال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه، أو متقوِّل، أو متوهِّم فيما جاء به. وأعاد في القرآن وأبدى في هذا النوع، وقرَّر ذلك بأنه يخبر بقصص الأنبياء السابقين مطوَّلة على الوجه الواقع الذي لا يستريب فيه أحد، ثم يخبر تعالى أنه ليس له طريق ولا وصول إلى هذا إلا بما آتاه الله من الوحي، كمثل قوله تعالى لما ذكر قصة موسى مطوَّلة: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 46] {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ} [القصص: 44] وكما في قوله: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] . ولما ذكر قصة يوسف وإخوته مطولة قال: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102] .
فهذه الأمور والإخبارات المفصَّلة التي يفصِّلها تفصيلاً لم يتمكن أهل الكتاب الذين في وقته ولا من بعدهم على [1] تكذيبه فيها ولا معارضته من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقاً.
وتارة يقرِّر نبوته بكمال حكمة الله وتمام قدرته، وأن تأييده لرسوله، ونصره على أعدائه، وتمكينه في الأرض موافق غاية الموافقة لحكمة الله، وأن من قدح في رسالته فقد قدح في حكمة الله، وفي قدرته.
(1) - هكذا في الأصل. ويمكن حمله على وجه يصح، وقد جرى عليه تعديل ـ بغير خط المؤلف ـ مع إضافة تُقدر بخمسة أسطر.