وتارة يقرِّرها بعظيم شفقته على الخلق، وحنوِّه الكامل على أمته، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأنه لم يوجد، ولن يوجد، أحد من الخلق أعظم شفقة، وبراً، وإحساناً، إلى الخلق منه، وآثار ذلك ظاهرة للناظرين.
فهذه الأمور والطرق قد أكثر الله من ذكرها في كتابه، وقرَّرها بعبارات متنوعة ومعاني مفصَّلة، وأساليب عجيبة، وأمثلتها تفوق العد والإحصاء، والله أعلم.
القاعدة الثامنة:
طريقة القرآن في تقرير المعاد.
وهذا الأصل الثالث من الأصول التي اتفقت عليها الرسل والشرائع كلها: التوحيد، والرسالة، وأمر المعاد، وحشر العباد.
وهذا قد أكثر الله من ذكره في كتابه، وقرَّره بطرق متنوعة:
منها: إخباره، وهو أصدق القائلين، ومع إكثار الله من ذكره فقد أقسم عليه في ثلاثة مواضع من كتابه.
ومنها: الإخبار بكمال قدرة الله تعالى، ونفوذ مشيئته وأنه لا يعجزه شيء؛ فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته.
ومنها: تذكيره العباد بالنشأة الأولى، وأن الذي أوجدهم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً لا بد أن يعيدهم كما بدأهم. وأعاد هذا المعنى في مواضع كثيرة، بأساليب متنوعة.
ومنها: إحياؤه الأرض الهامدة الميتة بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيي الموتى. وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك وهو خلق السموات والأرض، والمخلوقات العظيمة، فمتى أثبت المنكرون لذلك ـ ولن يقدروا على إنكاره ـ فلأي شيء يستبعدون إحياءه الموتى؟.
وقرر ذلك بسعة علمه، وكمال حكمته، وأنه لا يليق به ولا يحسن أن يترك خلقه سُدى مُهْمَلين، لا يُؤمرون، ولا يُنهون، ولا يُثابون، ولا يعاقبون!! وهذا طريق قرَّر به النبوة وأمر المعاد.