مَالٌ وَلاَ بَنُونَ *إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * [الشعراء: 88، 89] . ونظير ذلك: الإخبار في بعض الآيات أن النسب نافع يوم القيامة، كما في إلحاق ذرية المؤمنين لآبائهم في الدرجات، وإن لم يبلغوا منزلتهم، وأن الله يجمع لأهل الجنَّات والدرجات العالية من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم؛ فهذا لما اشتركوا في الإيمان وأصل الصلاح زادهم من فضله وكرمه من غير أن ينقص من أجور السابقين لهم شيئاً.
ومن ذلك الشفاعة؛ فإنه أثبتها في مواضع، ونفاها في مواضع من القرآن، وقيَّدها في بعض المواضع بإذنه، ولمن ارتضى من خلقه، فتعيَّن حمل المطلق على المقيد، وأنه حيث نُفيت فهي الشفاعة التي بغير إذنه، ولغير من رضي الله قوله وعمله، وحيث أُثبتت فهي الشفاعة التي بإذنه، لمن رضيه وأذن فيه.
ومن ذلك: أن الله أخبر في آيات كثيرة أنه لا يهدي القوم الكافرين، والفاسقين، والظالمين، ونحوها، وفي بعضها: أنه يهديهم ويوفقهم، فيتعيَّن حمل المنفيَّات على من حقَّت عليه كلمة الله، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ *} {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} [يونس: 96، 97] وحمل المثبتات على من لم تحق عليهم الكلمة، وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه.
ومن ذلك: الإخبار في بعض الآيات أنه العلي الأعلى، وأنه فوق عباده، وعلى عرشه، وفي بعضها: أنه مع العباد أينما كانوا، وأنه مع الصابرين، والصادقين، والمحسنين، ونحوهم؛ فَعُلُوُّه تعالى أمر ثابت له، وهو من لوازم ذاته، ودُنُوُّه ومعيَّته لعباده لأنه أقرب إلى كل أحد من حبل الوريد، فهو على عرشه عَلِيٌّ على خلقه، ومع ذلك فهو معهم في كل أحوالهم، ولا منافاة بين الأمرين؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وما يُتوهم بخلاف ذلك فإنه في حق المخلوقين. وأما تخصيص