وكذلك قوله {وَالْعَصْرِ *إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ *} [العصر: 1، 2] أي في خسارة من جميع الوجوه، إلا من اتصف بالإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق والصبر.
وقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] فذكر المسؤولين، وأطلق المسؤل عنه؛ ليعم كل ما يحتاجه العبد ولا يعلمه.
وكذلك أمره تعالى بالصبر، ومحبة الصابرين، وثناؤه عليهم، وبيان كثرة أجرهم، من غير أن يقيد ذلك بنوع؛ ليشمل أنواع الصبر الثلاثة: وهي الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. ومقابل ذلك: ذمه للكافرين، والظالمين، والفاسقين، والمشركين، والمنافقين، والمعتدين، ونحوهم، من غير أن يقيده بشيء؛ ليشمل جميع ذلك المعنى.
ومن هذا قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196] ليشمل كل حصر.
{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239] ليعم كل خوف.
وقد يقيد ذلك ببعض الأمور فيتقيد به ما سبق الكلام لأجله، وهذا شيء كثير لو ذهبنا نذكر الأمثلة لطالت، ولكن قد فتح لك الباب فامشِ على هذا السبيل المفضي إلى رياض بهيجة من أصناف العلوم.
القاعدة الخامسة عشر [ة] :
جعل الله الأسباب للمطالب العالية مبشِّرات لتطمين القلوب وزيادة الإيمان.
وهذا في عدة مواضع من كتابه، فمن ذلك:
النصر، قال في إنزاله الملائكة: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} [الأنفال: 10] .
وقال في أسباب الرزق ونزول المطر: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الروم: 46] .
وأعمُّ من ذلك كله قوله: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *} لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي