وخَتْمُ الآية السابعة بالرؤوف الرحيم، أي: من رأفته، ورحمته، تسخيره المخلوقات لبني آدم، وحفظ السماوات والأرض، وإبقاؤها لئلا تزول فتختل مصالحهم، ومن رحمته سخر لهم البحار؛ لتجري في منافعهم، ومصالحهم، فرحمهم حيث خلق لهم المسكن، وأودع فيه كل ما يحتاجونه، وحفظه عليهم، وأبقاه.
ولما ذكر في سورة الشعراء قصص الأنبياء مع أممهم ختم كل قصة
بقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ *} [الشعراء: 9، 68، 104، 122، 140، 159، 175، 191] فإن كل قصة تضمَّنت نجاة النبي وأتباعه، وذلك برحمة الله ولطفه، وإهلاك المكذبين له، وذلك من آثار عزته، وقد يتعلق مقتضى الاسمين بكل من الحالتين؛ فإنه نجَّى الرسول وأتباعه بكمال قوته، وعزته، ورحمته، وأهلك المكذبين بعزته، وحكمته. ويكون ذكر الرحمة يقتضي عظم جرمهم، وأنه لولا أن جرمهم تعاظم، وسدوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يكن لهم طريق إليها، لما أحل بهم العقاب.
وأما قول عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [المائدة: 118] ولم يقل: أنت الغفور الرحيم. فإن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، وإنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه إلهاً مع الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة.