وقوله تعالى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ *} [الحج: 59] ، والآيات المتتابعة التي بعدها، كل واحدة خُتمت باسمين كريمين، فالأولى منها هذه، خَتْمُها بالعلم والحلم يقتضي علمه بنيَّاتهم الجميلة، وأعمالهم الجليلة، ومقاماتهم الشامخة، فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم عن سيئاتهم، فكأنهم ما فعلوها.
وخَتَم الثانية بالعفوِّ الغفور؛ فإنه أباح المعاقبة بالمثل، وندب إلى مقام الفضل ـ وهو العفو وعدم معاقبة المسيء ـ وأنه ينبغي لكم أن تَعَبَّدُوا لله بالاتصاف بهذين الوصفين الجليلين؛ لتنالوا عفوه ومغفرته.
وخَتْمُ الآية الثالثة بالسميع البصير، يقتضي سمعه لجميع أصوات ما سكن في الليل والنهار، وبصره بحركاتهم على اختلاف الأوقات، وتباين الحالات.
وخَتْمُ الآية الرابعة بالعلي الكبير؛ لأن علوَّه المطلق، وكبرياءه، وعظمته، ومجده، تضمحل معها المخلوقات، ويبطل معها كل ما عُبد من دونه، وبإثبات كمال علوه، وكبريائه، يتعين أنه هو الحق، وما سواه باطل.
وخَتَمَ الآية الخامسة باللطيف الخبير، الدالين على سعة علمه وخبرته بالبواطن كالظواهر، وبما تحتوي عليه الأرض من أصناف البذور، وألوان النباتات، وأنه لطف بعباده حيث أخرج لهم أصناف الأرزاق بما أنزله من الماء النمير والخير الغزير.
وخَتَمَ الآية السادسة بالغني الحميد بعد ما ذَكَر مُلكه للسموات والأرض، وما فيهما من المخلوقات، وأنه لم يخلقها حاجة منه لها؛ فإنه الغني المطلق، ولا ليتكمَّل بها؛ فإنه الحميد الكامل؛ وليدلهم على أنهم كلهم فقراء إليه من جميع الوجوه، وأنه حميد في أقداره، حميد في شرعه، حميد في جزائه، فله الحمد المطلق ذاتاً، وصفاتاً [1] ، وأفعالاً.
(1) - هكذا في الأصل، وصوابه: صفاتٍ.