وأما قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى *} [الأعلى: 9] فإنها من أصل القاعدة، ويظن بعض الناس أنها من هذا النوع، وأنه يجب التذكير نفعت أو لم تنفع، لكن هذا غلط، فَنَفْعُ الذكرى: إذا كان يحصل بها الخير أو بعضه، أو يزول بها الشر كله أو بعضه، فأما إذا كان ضرر التذكير أعظم من نفعه فإنه منهي عنه في هذه الحال، كما نهى الله عن سبِّ آلهة المشركين إذا كان وسيلة لسبِّ الله، وكما ينهى عن الأمر بالمعروف إذا كان يترتب على ذلك شر أكبر، أو فوات خير أكثر من الخير الذي يُؤمر به، وكذلك النهي عن المنكر إذا ترتب عليه ما هو أعظم منه شراً وضرراً، فالتذكير في هذه الحال غير مأمور به، بل منهي عنه، وكل هذا من تفصيل قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النحل: 125] فعُلم أن هذا قيد مُراد ثبوت الحكم بثبوته، وانتفاء الحكم لانتفائه، والله أعلم.
ومنها قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ الْنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] مع أنه لا يقع قتلهم إلا بغير حق، فهذا نظير ما ذكره في الشرك، وأن هذا تشنيع لهذه الحالة التي لا شبهة لصاحبها، بل صاحبها أعظم الناس جرماً، وأشدهم لإساءة [1] .
وأما قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}
[الأنعام: 151] فليست من هذا النوع، وإنما هي من النوع الأول الذي هو الأصل، والحق الذي قيدها الله به جاء مفسراً في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «النفس بالنفس، والزاني المحصَن، والتارك لدينه المفارق للجماعة» [2] .
(1) - هكذا في الأصل، وصوابه: إساءة.
(2) - البخاري في الديات، باب قول الله تعالى: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} . حديث رقم: (6878) 12/ 201، ومسلم في القسامة، باب ما يباح به دم المسلم. حديث رقم: (1676) 3/ 1302 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.