وقال تعالى مبيناً أنه متقرر أن الذي لا يعرف ما يحتوي عليه الشيء يتعذر عليه الصبر، فقال عن الخضر لما قال له موسى، وطلب منه أن يتبعه ليتعلم مما علمه الله: {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا *وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا *} [الكهف: 67 ـ 68] فعدم إحاطته به خبراً يمتنع معه الصبر، ولو تجلد ما تجلد فلا بد أن يعال [1] صبره.
وقال تعالى مبيناً عظمة القرآن، وما هو عليه من الجلالة والصدق الكامل: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ} [يونس: 39] فأبان أن الأعداء المكذبين به إنما تكذيبهم به لعدم إحاطتهم بما هو عليه، وأنهم لو أدركوه كما هو لألجأهم واضطرهم إلى التصديق والإذعان، فهم وإن كانت الحجة قد قامت عليهم ولكنهم لم يفقهوه الفقه الذي يطابق معناه، ولم يعرفوه حق معرفته. وقال في حق المعاندين الذين بان لهم علمه، وخبروا صدقه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] وقال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] والمقصود أن الله أرشد العباد إلى الاستعانة على أمورهم بملازمة الصبر، وأرشدهم إلى تحصيل الصبر بالنظر إلى الأمور، ومعرفة حقائقها، وما فيها من الفضائل أو الرذائل. والله أعلم.
القاعدة الثالثة والستون:
يرشد القرآن إلى أن العبرة بحسن حال الإنسان: إيمانه وعمله الصالح،
وأن الاستدلال على ذلك بالدعاوى المجردة، أو بإعطاء الله للعبد من الدنيا، أو بالرياسات، كل ذلك من طرق المنحرفين.
(1) - أي: ينقطع. انظر: القاموس (مادة: عال) 1340.