فهرس الكتاب
أن يقال فيما اشتملتْ عليه من التعبدات العملية أو العلمية: هذا ممكن أخبر به الصادق، وكل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع. فهذا المشار إليه حق واقع.
والنزاع في هذا الدليل يقع في أمرين.
أحدهما: كون الأمر المشار إليه ممكنا، وقد بينا: أن الشرع لم يأت بما ليس ممكنا.
والثاني: في كون الخبر به صادقا. وعلى أهل كل ملة بيانه بالدليل.
ونحن سنبين صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - في أثناء هذا الكتاب، حيث يناسب ذكره، إن شاء الله تعالى على وجه يقبله كل منصف عاقل.
المقدمة الثالثة
إن الأحكام العقلية على وزن الأحكام الحسية. ولهذا إذا أشكل على العقلاء أمر عقلي، ضربوا له مثالا حسيا ليتصور لهم. وصور ذلك كثيرة جداً في سائر العلوم، يعرف ذلك من له أدنى نظر في العلم.
وإذا عرفت ذلك. فاعلم أن الأدلة الشرعية لها مراتب مختلفة بحسب اختلاف مدلولاتها.
فيثبت ببعضها فروع الشريعة دون أصولها، كالخبر المستفيض، وخبر الواحد، والقياس الظني، والاستحسان، والاستصحاب، وقول الصحابي ونحوه. ولا تثبت أصول الشريعة إلا بقاطع كالبديهيات والنظريات والمتواترات ونحوها.
ووزانه من المحسوسات البناء. فإنه يحتاط لأسه بتخير الآلة الجيدة القوية الثابتة ما لا يحتاط لحشوه وأعلاه، لأن ثبوت أعلاه بأسِّه.
وفائدة هذه المقدمة: أن يستند إليها في أن كل ما أورده علينا من الأخبار التي حقها أن لا تثبت بمثلها الأصول، لا ترد علينا، ولا تلزمنا. لأن تلك أخبار توجب العلم دون العمل، لكونها مظنونة الثبوت. وإن كانت في البخاري ومسلم، لاحتمال وقوع علة قادحة في طريقها، فلا تقوى على إثبات أصل، ولا على أن يقدح بها في أصل، خصوصا وقد دخلها تصرف
الرواة في الرواية بالمعنى. وقد أورث ذلك إشكالا عظيما في أحكام الفروع، واختلافا جما بين أهل العلم.