ولكن على المسلم أيها الكرام أن لا يبدأ الكافر مهما كان بالسلام، لأن في ذلك مخالفة لتعاليم الإسلام، ولما أمر به خير الأنام، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَا تبدءوا الْيَهُودَ ولا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فإذا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلى أَضْيَقِهِ".رواه مسلم (2167)
يقول المناوي -رحمه الله-:"لأن السلام إعزاز وإكرام ولا يجوز إعزازهم ولا إكرامهم، بل اللائق بهم الإعراض عنهم، وترك الالتفات إليهم، تصغيرا لهم وتحقيرا لشأنهم".فيض القدير (6/ 386)
ويَسعد المؤمن أيضا أيها الأحبة والإخوان عندما يسمع أن أهل الإسلام يؤتون بالصيغة الكاملة الثابتة عند السلام لما في ذلك من خير كثير كما أخبرنا بذلك البشير النذير، فعن عمران بن حصين الخزاعي- رضي الله عنهما- قال: جاء رَجُلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدَّ عليه السَّلَامَ ثُمَّ جَلَسَ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عَشْرٌ"، ثُمَّ جاء آخَرُ فقال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَرَدَّ عليه فَجَلَسَ فقال:"عِشْرُونَ"، ثُمَّ جاء آخَرُ فقال السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَرَدَّ عليه فَجَلَسَ فقال:"ثَلَاثُونَ".رواه أبو داود (5195) ،وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله-.
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-:"ما الحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام؟"
الجواب عنه: أن يقال لما كان الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلا بثلاثة أشياء:
أحدها: سلامته من الشر ومن كل ما يُضاد حياته وعيشه. والثاني: حصول الخير له. والثالث: دوامه وثباته له.
فإن بهذه الثلاثة يكمل انتفاعه بالحياة.
لقد شرعت التحية متضمنة للثلاثة، فقوله: (سلام عليكم) يتضمن السلامة من الشر، وقوله (ورحمة الله) يتضمن حصول الخير، وقوله (وبركاته) يتضمن دوامه وثباته كما هو موضوع لفظ البركة وهو كثرة الخير واستمراره، ومن هنا يعلم حكمة اقتران اسمه الغفور باسمه الرحيم في عامة القرآن.