{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى تسليطهم عليكم وقتالهم لكم {لَسَلَّطَهُمْ} ؛ أي: لسلط هؤلاء المعاهدين من الفريقين {عَلَيْكُمْ} ببسط صدورهم، وتقوية قلوبهم، وإزالة الرعب عنها، {فَلَقَاتَلُوكُمْ} ولم يكفوا عنكم، وهذا في الحقيقة جواب {لو} ، وما قبله توطئة له، وهذه اللام هي اللام التي في قوله تعالى: {لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} وأعيدت تأكيدًا، ولكنه لم يشأ فألقى في قلوبهم الرعب، وقرأ الجمهور: {فَلَقَاتَلُوكُمْ} بألف المفاعلة وقرأ مجاهد وطائفة: {فلقتلوكم} على وزن ضربوكم، وقرأ الحسن والجحدري {فلقتلوكم} بالتشديد، والمعنى: أن ضيق صدوركم عن قتالكم إنما هو بقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم، ولو قوى قلوبهم على قتال المسلمين .. لتسلطوا عليهم، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى منَّ على المسلمين بكف بأس المعاهدين، فالله سبحانه بنظامه في الأسباب والمسببات، وسننه في الأفراد والجماعات جعل الناس في ذلك العصر أصنافًا ثلاثةً:
1 -سليمو الفطرة الذين حصفت آراؤهم، فسارعوا إلى الإيمان، واستنارا بنور الإِسلام.
2 -المسالمون الذين رجحوا أن يكونوا على الحياد، لا مع المشركين ولا مع المؤمنين.
3 -الموغلون في الضلال والشرك، والمحافظون على القديم وهم المحاربون.
{فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ} ؛ أي: فإن ترك هؤلاء المعاهدون من الفريقين إياكم، وابتعدوا عن قتالكم، ولم يتعرضوا لكم {فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} مع قومهم {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} ؛ أي: الصلح والأمان، وأعطوا لكم زمام أمرهم بالانقياد للصلح والأمان، وقرأ الجحدري {السلم} بسكون اللام، وقرأ الحسن: بكسر السين وسكون اللام، {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} ؛ أي: ما جعل لكم سبيلًا وطريقًا تسلكونها للاعتداء عليهم بالأسر والقتل، إذ من قواعد ديننا أن لا نعتدي إلا على من يعتدي علينا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا.