وَقَدْ قَدَّمَ هُنَا ذِكْرَ الدِّيَةِ ، وَأَخَّرَ ذِكْرَ الْكَفَّارَةِ ، وَعَكَسَ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ ، وَلَعَلَّ النُّكْتَةَ فِي ذَلِكَ الْإِشْعَارُ بِأَنَّ حَقَّ اللهِ - تَعَالَى - فِي مُعَامَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ مُقَدَّمٌ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ ، وَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى هُنَالِكَ فِي أَمْرِ الدِّيَةِ فَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ الْعَفْوَ وَالسَّمَاحَ ، وَاللهُ يُرَغِّبُهُمْ فِيمَا يَلِيقُ بِكَرَامَتِهِمْ وَمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِمْ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ هُنَا ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُعَاهِدِينَ الْمُشَاحَّةَ وَالتَّشْدِيدَ فِي حُقُوقِهِمْ ، وَلَيْسُوا مُذْعِنِينَ لِهِدَايَةِ الْإِسْلَامِ فَيُرَغِّبُهُمْ كِتَابُهُ فِي الْفَضَائِلِ وَالْمَكَارِمِ وَثَمَّ نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ
فِي سَمَاحِ الْمُعَاهِدِ لِلْمُؤْمِنِ بِالدِّيَةِ مِنَّةً عَلَيْهِ ، وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ الَّذِي وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِزَّةِ لَا يَفْتَحُ لَهُمْ بَابُ هَذِهِ الْمِنَّةِ ، وَمِنْ مَحَاسِنِ نَظْمِ الْكَلَامِ
وَتَأْلِيفِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَعْطُوفَ الَّذِي لَهُ مُتَعَلِّقٌ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ ، وَمَا مُتَعَلِّقَاتُهُ أَكْثَرُ عَلَى مَا مُتَعَلِّقَاتُهُ أَقَلُّ ، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ لَفْظِيَّةٌ لِتَأْخِيرِ ذِكْرِ الدِّيَةِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ إِذْ تَعَلَّقَ بِهَا الْوَصْفُ وَهُوَ قَوْلُهُ: مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا .