وكلمة {لولا} في قوله: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} حرف تحضيض، وهو الطلب بحث وإزعاج؛ أي: فهلا تضرعوا وتذللوا إلينا خاشعين تائبين حين جاءهم بأسنا وعذابنا؛ أي: حين جاءتهم مقدمات العذاب وبوادره، وحذروا عواقبه وأواخره لنكشفه عنهم قبل أن يحيط بهم. {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} ؛ أي: صلبت وصبرت على ملاقاة العذاب لما أراد الله من كفرهم وخذلانهم، فكانت الحجارة أو أشد قسوة، فلم تؤثر فيهم النذر.
وعبارة"الفتوحات"هنا: قوله: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} استدراك وقع بين الضدين؛ أي: فلم يتضرعوا إليه تعالى برقة القلب والخضوع، ولكن ظهر منهم نقيضه، حيث قست قلوبهم؛ أي: استمرت على ما هي عليه من القساوة، أو ازدادت قساوة اهـ"أبو السعود". فهذا من أحسن مواقع الاستدراك اهـ شيخنا. انتهت.
{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من الكفر والمعاصي؛ أي: فلم يؤمنوا حين جاءهم بأسنا وعذابنا ووسوس إليهم بأن يثبتوا على ما كان عليه أباؤهم، ولا ينقادوا إلى رجال منهم ضعاف الأحلام، سفهاء العقول، لا ميزة لهم عليهم بعقل راجح ولا فكر ثاقب، وقال لهم: إن حال الدنيا هكذا تكون شدة ثم نعمة، فلم يخطروا ببالهم أن ما أصابهم من الشدائد، ما أصابهم إلا لأجل عملهم الفاسد.
44 -ثم ذكر ما حل بهم من الوبال والنكال بعد أن ابتلاهم بالحسنات، فقال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} ؛ أي: فلما أعرضوا عما أنذرهم به رسلهم، وتركوا الاهتداء به، وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، وأصروا على كفرهم وعنادهم، وجمدوا على تقليد من قبلهم .. بلوناهم بالحسنات، و {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} ؛ أي: بسطنا عليهم أنواع الرزق، ورخاء العيش وصحة الأجسام، والأمن على الأنفس والأرواح استدراجًا لهم، فلم تربِّهم تلك النعم، ولا شكروا الله على ما أنعم، بل أفادتهم النعمة بطرًا وكبرًا، كما أفادتهم الشدائد عتوًا وقسوة.