بين الله تعالى منزلة كتابه الكريم وذكر أنه الحق الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد بدأ سبحانه وتعالى بذكر ظلم من يفترى عليه سبحانه، ويدعى أنه أوحى الله تعالى إليه، ولم يوح إليه بشيء، فقال تعالى:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
الاستفهام في قوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ) هو للإنكار بمعنى النفي، وفيه من التنديد بالذين يفعلون ذلك أشد التنديد، وقد ذكر سبحانه افتراءهم على الله بنفيهم إنزال الرسل، وقولهم: (. . . مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ. . .) ، والآن يبين أنهم لَا يقفون موقف الإنكار، بل يبهتون ويكذبون ويفترون، وذكر سبحانه طوائف ثلاثة ترتكب في حق الله تعالى أشد الظلم لأنفسهم بتضليلها وإيغالها في الشر وظلم الناس بنشر الباطل بينهم وتضليلهم، وظلمهم للحقائق الدينية.
أولى هذه الطوائف التي افترت على الله تعالى كذبا، أي اختلقت على الله كذبا، والافتراء هو اختلاق الكذب، وهو يتضمن معنى الكذب، ولكن صرح بالكذب، لبيان شدة افترائهم، واختلاقهم، وكلامهم الباطل الذي ليس له أصل من الحق أو الحقيقة كعبادتهم الأوثان، وادعاء أنهم يقربونهم إليه زلفى، وكادعاء النصارى أن لله ولدا، وأنه إله، وكتحريم المشركين بعض النعم على أنفسهم، وتحريم البحيرة والموصولة، وغير ذلك، وكافترائهم على الله بأنهم أولياؤه وأحباؤه، فهؤلاء في أشد أحوال الظلمة.
الطائفة الثانية - تلك التي تدعي أنه أوحى لها، ولم يوح إليها بشيء كبعض المقربين من النصارى مثل بولس الذي كان وثنيا، وادعى بعد ذلك دخوله في دين المسيح وحوَّله من وحدانية، إلى وثنية، وادَّعوا أن من سموهم رسلا أوحى إليهم وتجلى لهم روح القدس، وغير ذلك من الأوهام الباطلة، والأكاذيب التي ما أنزل الله بها من سلطان، وكبعض الأعراب الذين كانت منهم نواة الردة الذين ادَّعوا أنه يوحى إليهم كما يوحى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -.