و {تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي: جهة مدين . و"التلقاء"قد تأتي بمعنى اللقاء ؛ لأنك حين تقول:"لقيته"أي: أنا وفلان التقينا في مكان واحد ، وحين نتوجّه إلى مكان معيّن فنحن نُوجَد فيه . ويظن بعض الناس أن كل لفظ يأتي لمعنيين يحمل تناقضاً ، ونقول: لا ، ليس هناك تناقض ، بل انفكاك جهة ، مثلما قال الحق سبحانه:
{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} [البقرة: 144]
والشطر معناه: الجهة ؛ ومعناه أيضاً: النصف ، فيقال:"أخذ فلان شطر ماله"، أي: نصفه ، و"اتجهت شطر كذا"، أي: إلى جهة كذا .
وهذه معان غير متناقضة ؛ فالإنسان منا ساعة يقف في أي مكان ؛ يصبح هذا المكان مركزاً لمرائيه ، وما حوله كله محيطاً ينتهي بالأفق .
ويختلف محيط كل إنسان حسب قوة بصره ، ومحيط الرؤية ينتهي حين يُخيَّل لك أن السماء انطبقت على الأرض ، هذا هو الأفق الذي يخصُّك ، فإن كان بصرُك قويّاً فأفقك يتَّسع ، وإن كان البصر ضعيفاً يضيف الأفق .
ويقال:"فلان ضَيِّق الأفق"أي: أن رؤيته محدودة ، وكل إنسان منا إذا وقف في مكان يصير مركزاً لما يحيطه من مَرَاء ؛ ولذلك يوجد أكثر من مركز ، فالمقابل لك نصف الكون المرئي ، وخلفك نصف الكون المرئي الآخر ، فإذا قيل: إن"الشطر"هو"النصف"، فالشطر أيضاً هو"الجهة".
وهنا يقول الحق سبحانه: {قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ} .
أي: أنه صلى الله عليه وسلم لا يأتي بالقرآن من عند نفسه صلى الله عليه وسلم ، بل يُوحَى إليه .
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15]