فهرس الكتاب
وقوله الحق: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} هذا القول الكريم يضم ثلاثة وقائع: الوجود في الفُلْك ، وجرى الفُلْك بريح طيبة ، ثم فرحهم بذلك ؛ هذه ثلاثة أشياء جاءت في فعل الشرط ، ثم يأتي جواب الشرط وفيه ثلاثة أشياء أيضاً:
أولها: {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} وثانيها: {وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ} وثالثها: {وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} .
أما الريح العاصف: فهي المدمرة ، ويقال: فلان يعصف بكذا ، وفي القرآن: {كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 5] .
إذن: {رِيحٌ عَاصِفٌ} هي الريح المدمِّرة والمغرِقة . وقوله الحق: {وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ} .
فالموج يأتي من أسفل ، والريح تأتي من أعلى ، وترفع الريح الموج فيدخل الموج إلى المركب ، ونعلم أنهم يقيسون ارتفاع الموج كل يوم حسب قوة الريح: فحين تكون الريح خفيفة ؛ يظهر سطح مياه البحر مجعّداً ، وحين تكون الريح ساكنة ؛ فأنت لا تجد صفحة المياه مجعدة ، بل مبسوطة ، وقد جاءتهم الريح عاصفاً فيزداد عنف الموج ، ويتحقق نتيجة لذلك الظن بأنهم قد أحيط بهم .
ومعنى الإحاطة هو عدم وجود منفذ للفرار ؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يتكلم عن الكافرين بقوله: {والله مُحِيطٌ بالكافرين} [البقرة: 19] .
أي: ليس هناك منفذ يفلتون منه .
ولحظة ظنهم أنه قد أحيط بهم ؛ لا يسلمون أنفسهم لهذه الحالة ؛ بدعوى الاعتزاز بأنفسهم غريزياً ، بل يتجهون إلى الله بالدعاء ، هذا الإله الذي أنكروه ، لكنهم لحظة الخطر لا يكذب أحد على نفسه أو يخدعها .