فهرس الكتاب
والرياح هنا جاءت في صيغة الجمع ، وعلّة وجود ريح الشر ، ورياح للخير ، يمكنك أن تستشفها من النظر إلى الوجود كله ؛ هذا النظر يوضح لك أن الهواء له مراحل ، فهواء الرُّخَاء هو الذي يمر خفيفاً ، مثل النسيم العليل ، وأحياناً يتوقف الهواء فلا تمر نسمة واحدة ، ولكننا نتنفس الهواء الساكن الساخن أثناء حرارة الجو ، ثم يشتد الهواء أحياناً ؛ فيصير رياحاً قوية بعض الشيء ، ثم يتحول إلى أعاصير .
والهواء كما نعلم هو المقوِّم الأساسي لكل كائن حي ، ولكل كائن ثابت غير حي ، فإذا كان الهواء هو المقوم الأساسي للنفس الإنسانية ، فالعمارات الضخمة مثل ناطحات السحاب لا تثبت بمكانها إلا نتيجة توازن تيارات الهواء حولها ، وإن حدث تفريغ للهواء تجاه جانب من جوانبها ؛ فالعمارة تنهار .
إذن: فالذي يحقق التوازن في الكون كله هو الهواء .
ولذلك نجد القرآن الكريم قد فصّل أمر الرياح وأوضح مهمتها ، وهنا يقول الحق سبحانه: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} وكأنه سبحانه يتكلم هنا عن السفن الشراعية التي تسير بالهواء المتجمِّع في أشرعتها . وإذا كان التقدم في صناعة السفن قد تعدَّى الشراع ، وانتقل إلى البخار ، ثم الكهرباء ، فإن كلمة الحق سبحانه: {برِيحٍ طَيِّبَةٍ} تستوعب كل مراحل الارتقاء ، خصوصاً وأن كلمة"الريح"قد وردت في القرآن الكريم بمعنى القوة أيا كانت: من هواء ، أو محرك يسير بأية طاقة . وسبحانه القائل: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] .
وهكذا نفهم أن معنى الريح ينصرف إلى القوة . وأيضاً كلمة"الريح"تنسجم مع كل تيسيرات البحر .