فهرس الكتاب
القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطابِ ومن الخطاب إلى الغيبة. .
القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمرِ وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبلِ وعن المستقبل بالماضي.
الوجه الثاني: الغرض من الالتفات عامة.
واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام، ووجه حسنه على ما ذكر الزمخشري هو أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بلطائف كما في سورة الفاتحة؛ فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله: (الْحَمْدُ للِه) الدال على اختصاصه بالحمد وأنه حقيق به - وجد من نفسه لا محالة محركًا للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} الدال على أنه مالك للعالمين لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته - قوي ذلك المحرك، ثم إذا
انتقل إلى قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) } الدال على أنه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها - تضاعفت قوة ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمه هذه الصفات العظام وهي قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } الدال على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء - تناهت قوته وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات. وكما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} (النساء: 64) لم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريق الالتفات تفخيمًا لشأن رسول اللَّه لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة مَنْ اسمُهُ الرسولُ من اللَّه بمكان.
ومن أغراض الالتفات الذي يكون في شعر العرب ما ذكره السكاكي في أبيات امريء القيس حين يقول:
تطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العاثر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود