فهرس الكتاب
1 -أحدها: أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه، فنبّه في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها وَلهتْ وَلَهَ الثكلى؛ فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجع الملوك له وتحزنهم عليه، وخاطبها بـ: تطاول ليلك تسليةً.
2 -أو: على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقًا شديدًا ولم تتصبر فعل الملوك، فشك في أنها نفسه، فأقامها مقام مكروب، وخاطبها بذلك تسليةً، وفي الثاني: على أنه صادق في التحزن خاطب أولًا، وفي الثالث: على أنه يريد نفسه.
3 -أو: نبه في الأول على أن النبأ لشدته تركه حائرًا فما فطن معه لمقتضى الحال، فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمرًا ونهيًا، وفي الثاني: على أنه
بعد الصدمة الأولى أفاق شيئًا فلم يجد النفس معه فبنى الكلام على الغيبة، وفي الثالث: على ما سبق، أو: نبه في الأول على أنها حين لم تثبت ولم تتبصر غاظه ذلك فأقامها مقام المستحق للعتاب؛ فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعبير بذلك، وفي الثاني: على أن الحاملَ على الخطاب والعتاب لمَّا كان هو الغيظُ والغضبُ وسكتَ عنه الغضبُ بالعتابِ الأولِ - وَلَّى عنها الوجهَ وهو يدمدم قائلًا: وبات وباتت له، وفي الثالث: على ما سبق.
وقد سَمَّى السكاكيُّ هذا الالتفاتَ الأسلوبَ الحكيمَ؛ وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيهًا على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهًا على أنه الأولى بحاله أو المهم له.
ويمكن أن نحصر فوائد الالتفات في ما يلي:
الفائدة الأولى: فَنِّيَّةُ التَّنْوِيعِ في العبارة المثير لانتباه المتلَقِّي، والباعث لنشاطه في استقبال ما يوجَّه له من كلام، والإِصغاءِ إليه، والتفكير فيه.
الفائدة الثانية: الاقتصادُ والإِيجازُ في التعبير.
الفائدة الثالثة: الإِعراض عن المخاطبين؛ لأنهم عن البيانات معرضون أو مُدْبرون وغير مكترثين.
الفائدة الرابعة: إفادة معنًى تتضمَّنُه العبارة التي حصل الالتفات إليها، وهذا المعنى لا يستفادُ إذا جرَى القول وفق مقتضى الظاهر.