فهرس الكتاب
الفائدة الخامسة: ما يُسْتفاد من معنًى بالالتفات؛ إنّما يستفاد إلماحًا بطريقٍ غير مباشر، ومعلُومٌ أنّ الطُّرقَ غير المباشرة تكون أكثر تأثيرًا من الطرق المباشرة حينما تقتضي أحوال المتلقّين ذلك.
الفائدة السادسة: إشعارُ مختلف زُمر المقصودين بالكلام بأنّهم محلُّ اهتمام المتكلّم، ولو
لم يكونوا من الزُّمْرَة المتحدّث عنها أوّلًا، ويظهر هذا في النصوص الدينيّة الموجَّهة لجميع الناس، وفي خُطَب الملوك والرؤساء والوعّاظ وأشباههم.
الوجه الثالث: فائدة الالتفات في آية سورة يونس؛ وهو من نوع: الانتقال من الخطاب إلى الغيبة.
وقوله: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو في القرآن وأشعار العرب كثير؛ قال النابغة:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟
قلت: المبالغة؛ كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليُعَجِّبَهُمْ منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.
وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة في آية يونس؛ فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدةٍ وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم، ليعجبهم منها كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهمِ، ولو قال حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها. . وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك بخافٍ عن نقدة الكلام، ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) } (الأنبياء: 92 - 93) الأصل في (تقطعوا) تقطعتم
عطفًا على الأول إلّا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين اللَّه تعالى فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فهو مجازيهم على ما فعلوا.