قوله: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} خطاب الحضور، وقوله: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} مقام الغيبة، فههنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد، وهو اللائق بحال هؤلاء؛ لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان اللَّه تعالى إليه بالكفران - كان اللائق به ما ذكرناه.
حكمة الالتفات هنا هي أنّ قوله: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} خطاب فيه امتنان وإظهار نعمة للمخاطبين، والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكفار، والخطاب شامل، فحَسُن خطابهم بذلك ليستديم الصالح على الشكر، ولعل الطالح يتذكر هذه النعمة فيرجع، فلما ذكرت حالةٌ آلَ الأمرُ في آخرها إلى أنَّ الملتبسَ بها هو باغٍ في الأرض بغير الحق - عدل عن الخطاب إلى الغيبة حتى لا يكون المؤمنون يخاطبون بصدور مثل هذه الحالةِ التي آخرها البغي.
وفائدة هذا الالتفات بيانُ أنّ الذين تكون منهم هذه الظاهرة التي تحدّث عنها النّصّ ليسوا جميع المخاطبين؛ بل هم فريق منهم، فمن الحكمة الحديث عنهم بأسلوب الحديث عن الغائب، مع ما في الحديث عن الغائب من الإعراض المشعر بالتأنيب على ما يكون
منهم، وقد جاء في النصّ بعد ذلك تأنيبُهُمْ صراحةً فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (يونس: 23) ، ولَوْ تتابع الكلامُ وفْقَ أُسْلُوب الخطاب دون ما حصل في النصّ من الالتفات لكان التأنيب مُوَجّهًا لكلّ الناس، مع أنّ فيهم صالحين لا تظهر منهم هذه الظاهرة القبيحة من الظواهر المنافية للسلوك الدّيني المطلوب من العباد.
وقيل الحكمة في هذا -أي: الانتقال من الخطاب إلى الغيبة- هنا أن كلَّ مَنْ خُوطب يجوز أن يركب الفلك، لكن لما كان في العادة أن لا يركبها إلا الأقل وقع الخطاب أولًا للجميع، ثم عدل إلى الإخبار عن البعض الذين من شأنهم الركوب.