وَقَرَأَهُ بَعْضُ مُتَأَخِرِي الْقُرَّاءِ: «قِطْعًا» بِسُكُونِ الطَّاءِ، بِمَعْنَى: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ سَوَادًا مِنَ اللَّيْلِ، وَبَقِيَّةً مِنَ اللَّيْلِ، سَاعَةً مِنْهُ، كَمَا قَالَ: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} أَيْ بِبَقِيَّةٍ قَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ، وَيَعْتَلُّ لِتَصْحِيحِ قِرَاءَتَهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنَّهُ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ: «وَيَغْشَى وُجُوهَهُمْ قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ» .
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا عِنْدِي قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الطَّاءِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَصْوِيبِهَا، وَشُذُوذِ مَا عَدَاهَا. وَحَسْبُ الْأُخْرَى دَلَالَةٌ عَلَى فَسَادِهَا، خُرُوجُ قَارِئِهَا عَمَّا عَلَيْهِ قُرَّاءُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ مَا قُلْتَ، فَمَا وَجْهُ تَذْكِيرِ الْمُظْلِمِ وَتَوْحِيدِهِ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ الْقِطَعِ، وَالْقِطَعُ جَمْعٌ لِمُؤَنَّثٍ؟
قِيلَ فِي تَذْكِيرِهِ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ نَعْتِ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ نَكِرَةً، وَاللَّيْلُ مَعْرِفَةً نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ. فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنَ «الْمُظْلِمِ» ، فَلَمَّا صَارَ نَكِرَةً، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ اللَّيْلِ نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ؛ وَتُسَمِّي أَهْلُ الْبَصْرَةِ مَا كَانَ كَذَلِكَ حَالًا، وَالْكُوفِيُّونَ قَطْعًا. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر البسيط]
لَوْ أَنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَجْهَيهِ وَقَوْلُهُ: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}
يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
يَقُولُ: هُمْ فِيهَا مَاكِثُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) }