فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، أَمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُهْدَى.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ مَكَانِهِ إِلَّا أَنْ يُنْقَلَ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: قَالَ: الْأَوْثَانُ، اللَّهُ يَهْدِي مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا مَنْ شَاءَ لِمَنْ شَاءَ""
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ:" {أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى} قَالَ: قَالَ: الْوَثَنُ".
وَقَوْلُهُ: {فَمَا لَكَمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنَ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ مِنَ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَهْدِيَهُ إِلَيْهِ هَادٍ غَيْرُهُ، فَتَتْرُكُوا اتِّبَاعَ مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ وَعِبَادَتَهُ وَتَتَّبِعُوا مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ فَتُفْرِدُوهُ بِهَا وَحْدَهُ دُونَ مَا تُشْرِكُونَهُ فِيهَا مِنْ آلِهَتِكُمْ وَأَوْثَانِكُمْ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا ظَنًّا، يَقُولُ: إِلَّا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِحَقِيقَتِهِ وَصِحَّتِهِ، بَلْ هُمْ مِنْهُ فِي شَكٍّ وَرِيبَةٍ.
{إَنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}
يَقُولُ: إِنَّ الشَّكَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْيَقِينِ شَيْئًا، وَلَا يَقُومُ فِي شَيْءٍ مَقَامَهُ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَى الْيَقِينِ.
{إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ ذُو عِلْمٍ بِمَا يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ اتِّبَاعِهِمُ الظَّنَّ وَتَكْذِيبِهِمُ الْحَقَّ الْيَقِينَ، وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، حَيْثُ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ ظَنُّهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 12/}