فهرس الكتاب
بأخراه، تحدّر الزّلال على الكبد الحرّى، ولقد نقصنا كما نقص الناس، بعد أقوام أدركتهم كأنهم خلقوا لتحسين ما قبّحت الدنيا، سهلت لهم ألفاظهم كما سهلت لهم أنفاسهم، ويبذلون أموالهم، ويصونون أعراضهم، فما يجد المادح لهم مزيدا، ولا الطاعن فيهم مطعنا، لله درّ مادحهم حيث يقول:
وضع الدّهر بينهم شفرتيه ... فانثنى سالما وأضحوا شعوبا
شفرتا والله مالا على من قبلهم، فأذهبت أبدانهم، وأبقت أخبارهم، فصاروا حديثا حسنا، ثوابه في الآخرة أحسن، وحديثا سيّئا عقابه في الآخرة أسوأ، فكم موعوظ بمن قبله موعوظ به من هو آت بعده. قال:
فظننّا أنه إذا أراد أن يطيل أطال.
وصف معاوية الوليد بن عتبة فقال: إنه لبعيد الغور، ساكن الفور،
وإنّ العود لمن نجاره والولد من آبائه، وإنّه والله نبت أصل لا يخلف، وسليل فحل لا يقرف.
قال المدائني: أتى أعرابيّ أبا جعفر محمد بن عليّ بن الحسين رضي الله عنهم، فقال له: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: ما كنت لأعبد شيئا لم أره. قال: فكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار مشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواسّ، ولا يقاس بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجور في قضيّته، هو الله الذي لا إله إلّا هو.
فقال الأعرابى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [6: 124] .
قال محمد بن سلّام: لمّا قتل مصعب بن الزّبير رحمه الله بلغ أخاه عبد الله - رضي الله عنه - وهو بمكة، فصعد المنبر فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء، ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء. ألا وإنّه لم يذلل الله من الحقّ معه، وإن كان فردا، ولم يعزز الله من أولياء الشّيطان وحزبه، وإن كان الأنام معه طرّا. إنّه