فهرس الكتاب
والله سبحانه وتعالى حين يرسل رسولاً إلى قوم ؛ ليعلِّمهم منهجه في حركة الحياة ، إنما يريد سبحانه أن تؤدي حركة الحياة إلى الغاية المطلوبة من الإنسان الخليفة في الأرض ؛ ولذلك يأتي الرسول من جنس المرسل إليهم ؛ ليكون أسوة لهم ؛ لأن الرسول إن جاء مَلَكاً لما صحَّت الأسوة ، بل لا بد أن يكون بشراً .
والحق سبحانه لا يرسل أي رسول إلا ومعه بينة ودليل صدق على أنه رسول يبلِّغ عن الله تعالى .
والبينة لا بد أن تكون من جنس نبوغ القوم ، فلا يأتي لهم بمعجزة في شيء لم يعرفوه ولم يألفوه ؛ حتى لا يقولوا: لو تعلمنا هذا لجئنا بمثل ما جاء .
وقد جاء القرآن ليثبت عجزهم عما نبغوا فيه من صناعة الكلام ؛ شعراً ونثراً وخطابة .
وكان القرآن هو معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم فصحاء يعقدون للشعر أسواقاً ، ويعلِّقون الفائز من هذا الشعر على جدران الكعبة شهرة له وشهادة به .
إذن: فهم أصحاب دراية بصناعة الكلام ، وجاءت المعجزة مع الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغوا فيه ؛ لتتحداهم .
والتحدي يستدعي استجماع قوة الخصم ؛ ليرد على هذا المتحدي ، فإذا عجز مع التحدي ، يصير العجز ملزماً .
وقد تحدى الحق سبحانه العرب جميعاً بالقرآن كله: {قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88] .
فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله ، فتدرَّج القرآن معهم في التحدي فطلب منهم ما هو أقل من ذلك ، وهو أن يأتوا بعشر سور مثله في قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13] .
ثم تحداهم بالإتيان بمثل سورة من القرآن .
وعند التأمل نجد أن الأسلوب الذي جاء بطلب سورة كان على لونين: فمرة يقول: {بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} [يونس: 38] .
ومرة يقول: {بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23] .