{إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} من الاتباع للظنون الفاسدة، والإعراض عن البراهين القاطعة؛ أي: إن الله سبحانه وتعالى عليم بما كانوا يعملون بمقتضى اعتقاداتهم الظنية والقطعية، فهو يحاسبهم ويجازيهم على كل عمل منها، كتكذيبهم للرسول، - صلى الله عليه وسلم - ، مع قيام الأدلة القطعية على صدقه، واتباعهم للظن، كالتقليد باتباع الآباء والأجداد.
وفي الآية إيماءٌ، إلى أن أصول الإيمان تبنى على اليقين دون الظن، فالعلم المفيد للحق ما كان قطعيًّا من كتاب أو سنة، وهو الدين الذي لا يجوز للمسلمين التفرق، والاختلاف فيه، وما دونه مما لا يفيد إلا الظن، فلا يؤخذ به في الاعتقاد، وهو متروك للاجتهاد في الأعمال، اجتهاد الأفراد في الأعمال الشخصية، واجتهاد أولي الأمر في القضاء، مع سلوك طريق الشورى، حتى يتحقق العدل والمساواة في المصالح العامة. وفي هذه الجملة تهديد لهم، على ما وقع منهم، من الأفعال الشنيعة والأحوال القبيحة. وقرأ عبد الله {تفعلون} بالتاء على الخطاب التفاتًا.
37 - {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ} ؛ أي: وما صح أن يكون هذا القرآن المشحون بفنون الحجج الناطقة، ببطلان الشرك وحقية التوحيد {أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ أي: مفترى من الخلق {وَلَكِنْ} كان القرآن {تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} ، أي: مصدق الذي قبله وأمامه، من الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء قبله، كالتوراة والإنجيل؛ أي: مصدقًا لها وموافقًا لها، في العقائد وبعض الفروع.
ووقعت لكن هنا، أحسن موقع إذ هي بين نقيضين، وهما الكذب، والصدق المضمن للتصديق {وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ} ؛ أي: وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، في اللوح المحفوظ من قوله: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} ؛ أي: ومبينًا لما كتبه الله تعالى على عباده حالة كونه {لَا رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك في كونه {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ؛ أي: منزلًا من مالك العالمين، جل جلاله.