وهذا كقوله: وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان [الرحمن / 9] ، وكقوله: الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون [المطففين / 2 ، 3] وكقوله: ولا تنقصوا المكيال والميزان [هود / 84] والوعيد في البخس في المكيال والميزان إنما يلحق من نقص أو بخس ما يتقارب بين الكيلين والوزنين ، فأمّا ما لا يتقارب من الزيادة والنقصان بينهما فهو إن شاء الله موضوع ، لأن ذلك لا يخلو الناس منه ، فليس عليهم إلا الاجتهاد في الإيفاء . وكذلك جاء في الأنعام لما ذكرهما لا نكلف نفسا إلا وسعها [الأنعام / 152] إنما عليه الاجتهاد في تحرّيه الإيفاء وقصده له ، وأما ما لا يضبط فموضوع عنه ، لأنه لم يكلّف في ذلك إلا الوسع .
[الإسراء: 31]
اختلفوا في الإضافة والتنوين من قوله: كان سيئه عند ربك [الإسراء / 38] .
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (سيّئة) غير مضاف مؤنثا .
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: سيئه مضافا مذكّرا .
زعموا أن الحسن قرأ: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [الإسراء / 38] وقال: قد ذكر أمورا قبل منها حسن ومنها سيّئ ، فقال:
كل ذلك كان سيئه لأن فيما ذكر الحسن والسّيّئ من المذكور المكروه ، ويقوّي ذلك قوله: مكروها التذكير فيه ، ولو كان (سيّئه) غير مضاف لزم أن يكون مكروهة ، فإن قيل: إن التأنيث غير حقيقي ، ولا يمتنع أن يذكّر ، قيل: تذكير هذا لا يحسن ، وإن لم يكن حقيقيا لأن المؤنث قد تقدّم ذكره ، ألا ترى أن قوله:
ولا أرض أبقل إبقالها مستقيم عندهم ولو قال: أبقل أرض ، لم يستقبح ، فليس ما تقدّم ذكره مما أريت بمنزلة ما لم يتقدّم ذكره ، لأن المتقدم الذكر ينبغي أن يكون الراجع وفقه ، كما يكون وفقه في التثنية والجمع ، فإذا لم يتقدّم له ذكر لم يلزم أن يراعى هذا الذي روعي في المتقدم ذكره .