ومن خصائص القرآن أنه نقل إلينا بالتواتر فقد نقل القرآن إلينا آلاف عن آلاف بحيث يستحيل تواطئهم على الكذب.
وفي القرآن نجد أن الله اصطفى من ألفاظ اللغة العربية أفصحها وأيسرها على اللسان، وأسهلها على الأفهام، وأمتعها للآذان، وأقواها تأثيرًا على القلوب، وأوفاها تأدية للمعاني، ثم ركَّبَها تركيبًا محكم البنيان، لا يدانيه في نسجه كلام البشر من قريب ولا من بعيد، وذلك لما يكمن في ألفاظه من الإيحاءات التي تعبر إلى خلجات النفس، وتقتَحِم شغاف القلوب.
وما يكون في تركيبه من ألفة عجيبة، وانسجام وثيق بين هذه الألفاظ، مهما تقاربت مخارج حروفها أو تباعدت.
فقد جاء رصف المباني وفق رصف المعاني، فالتقى البحران على أمر قد قُدِرَ، فاستساغته جميع القبائل على اختلاف لهجاتها قراءة وسماعًا.
واستسلمت لهذا النسق الفريد، والترتيب العجيب أساطين البلاغة في كل زمان ومكان، واستمدَّت منه النفوس المؤمنة روحها وريحانها، فلم يشبع من دراسته العلماء، ولم يملّ تلاوته أحد من الأتقياء [16] .
ومن خصائص القرآن أن قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل الإنكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة، لا يزال غضّا طريّا، وغيره من الكلام و لو بلغ في الحسن والبلاغة ما بلغ يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات، ويؤنس بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى أحدث أصحابها لها لحونًا وطرقًا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها [17] .