إن القرآن نقل إلينا بالتواتر،
جيلًا بعد جيل، فقد حمله من الصحابة من لا يحصي عددهم إلا الله، ونلقه عنهم أضعافهم عددًا إلى يومنا هذا، فتوافق الصحابة على النص القرآني حجة لا ينقضها ولا يقدح فيها مخالفة واحد من آحاد الصحابة أومن بعدهم، إذ مخالفة الآحاد لا تقدح في التواتر، فليس من شرطه عدم وجود المخالف، فقد تواتر عند الناس - اليوم - وجود ملك قديم، الفرعون خوفو، فلوأنكر اليوم واحد من الباحثين هذا الذي تواتر عند الناس، وقال: لم يوجد هذا الملك، فإنه لا يلتفت إليه، لمخالفته المتواتر.
ومثله تواتر القرآن برواية الجموع عن الجموع في كل جيل، فلوصح إنكار ابن مسعود سورة من سوره، بل لوأنكر القرآن كله لما قدح هذا بقرآنية القرآن ولا طعن في موثوقيته.
هل أسقط ابن مسعود المعوذتين من مصحفه؟
لكن هذه الروايات لا تصح عن ابن مسعود، ففي أسانيدها ما يقدح في صحتها، فخبر حكِّ السورتين من المصاحف، وقول ابن مسعود
: (ليستا من كتاب الله تبارك وتعالى) ، مروي في مسند أحمد والطبراني في الكبير، وتدور أسانيدهما على أبي إسحاق عمروبن عبد الله الهمداني عن عبد الرحمن بن يزيد.
وأبوإسحاق رغم توثيق العلماء له؛ فإنه قال عنه ابن حبان:"وكان مدلسًا"،
والمدلس لا تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث [أي قال: حدثني] ، وترد روايته إذا كانت بصيغة العنعنة، كما في هذه الرواية، حيث يقول فيها: (عن عبد الرحمن بن يزيد) .
ولا يتقوى هذا الإسناد بإسناد الطبراني للأثر من رواية الأزرق بن علي (أبي الجهم الحنفي) ، وقد ذكره ابن حبان وقال:"يغرب"، أي له غرائب [1] .
والأزرق صاحب الغرائب يرويه عن حسان بن إبراهيم الكرماني، وقد وثقه البعض، وضعفه غيرهم، كالعقيلي الذي قال عنه:"في حديثه وهم"، كما أعله غير واحد من العلماء، قال ابن حبان:"ربما أخطأ".
وقال أبوزرعة:"لا بأس به".
وقال النسائي:"ليس بالقوي".