فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 59

أ / 5 ـ وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا وان كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال، إن أصاب الحق فأجران وإن أخطأ فأجر واحد، وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي رضي الله عن جميعهم، وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة من الصحابة رضي الله عنهم لا نعلم منهم في ذلك خلافا أصلا، إلا ما ذكرنا من اختلافهم في تكفير من ترك صلاة متعمدا حتى خرج وقتها [1] ، أو ترك أداء الزكاة، أو ترك الحج، أو ترك صيام رمضان، أو شرب الخمر.

إلى أن قال: قال ابن حزم فصح بما قلنا أن كل من كان على غير الإسلام وقد بلغه أمر الإسلام فهو كافر [2] ومن تأول [3] من أهل الإسلام [4] فأخطأ فإن كان لم تقم عليه الحجة ولا تبين له الحق فهو معذور مأجور أجرا واحدا لطلبه الحق وقصده إليه مغفور له خطؤه إذ لم يعتمده لقول الله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وإن كان مصيبا فله أجران أجر لإصابته وأجر آخر لطلبه إياه، وإن كان قد قامت الحجة عليه وتبين له الحق فعاند عن الحق [5] غير معارض له تعالى ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم فهو فاسق لجراءته على الله تعالى بإصراره على الأمر الحرام فإن عاند عن الحق معارضا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتد حلال الدم والمال لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد [6] في أي شيء كان من الشريعة وبين الخطأ في الفتيا في أي شيء كان على ما بينا قبل.

إلى أن قال: فصح أنه لا يكفر أحد حتى يبلغه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فإن بلغه فلم يؤمن به [7] فهو كافر فإن آمن به [8] ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقده في نحلة أو فتيا أو عمل ما شاء الله تعالى أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخلاف ما اعتقدوا ما قال أو عمل فلا شيء عليه أصلا حتى يبلغه فإن بلغه وصح عنده فإن خالفه مجتهدا فيما لم يبين له وجه الحق في ذلك فهو مخطئ معذور مأجور مرة واحدة كما قال عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء وإن خالفه بعمله معاندا للحق معتقدا بخلاف ما عمل به [9] فهو مؤمن فاسق وإن خالفه معاندا بقوله أو قلبه فهو كافر مشرك سواء ذلك في المعتقدات والفتيا للنصوص التي أوردنا وهو قول إسحاق بن راهويه وغيره وبه نقول وبالله تعالى التوفيق اهـ مع الاختصار والاقتصار على الشاهد [10] .

(1) ـ أي العلماء بعد عصر الصحابة، أما الصحابة فلم يختلفوا في تارك الصلاة متعمدا حتى خرج وقتها (وقد نقل هو في المحلى في مبحث الصلاة اجماع الصحابة على كفر من ترك صلاة واحدة متعمدا) وكذلك من ترك أداء الزكاة وهو الممتنع عنها فهذا اجمع الصحابة على كفره، وانما الخلاف حادث بعدهم.

(2) ـ ومن فعل الشرك فهو على غير الإسلام ولو كان جاهلا أو متأولا هذا كلام المصنف رحمه الله.

(3) ـ هنا فرق بين أصل الإسلام وبين مسائل الاعتقاد وهي مسائل البدع والمسائل الخفية.

(4) ـ من أهل الإسلام وليس مشركا، بل أصل الإسلام عنده صحيح. لكن أخطأ فيما دون ذلك.

(5) ـ فيه إشكال؟. لكن يزول الإشكال إذا عرفت طريقة ابن حزم في مثل هذا. فانه رحمه الله يرى أن مسائل العقائد والبدع مثل مسائل الكبائر والمعاصي فمن أقر بتحريم الربا وأذعن لذلك بقلبه وقوله لكن فعل الزنى فهذا عاص وليس بكافر، فكذلك في العقائد والبدع فمن اقر بقلبه ولسانه لكن لم ينقد بعمله وجوارحه فهذا عاص ليس بكافر.

(6) ـ أي المسائل الخفية.

(7) ـ أي بالإسلام والنبوة. فلا يدخل فيه المشرك ولا المعطل.

(8) ـ أي أصل الإسلام عنده صحيح لكن خالف في مسائل الاعتقاد وهي المسائل الخفية.

(9) ـ أي خالف في عمل الجوارح.

(10) ـ أما الدليل من كلام ابن حزم أنه لا يريد في كلامه السابق أصل المسألة من تأول في أصل الدين، النصوص التالية:

قال ابن حزم في الدرة 441/ 414: وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي أو سائر الملل أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس أو بنبوة أحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعذرون بالتأويل أصلا بل هم كفار مشركون على كل حال اهـ.

ويدل عليه أيضا ما قاله في الفصل وهو تابع للكلام له أعلاه حيث رد على من ظن أن هذا الحكم أنه في أصل الدين فأورد إشكالا ثم أجاب عنهم فقال: أ ـ وقال قائلهم فإذا عذرتم للمجتهدين إذا أخطأوا فاعذروا اليهود والنصارى والمجوس وسائر الملل فإنهم أيضا مجتهدون قاصدون الخير؟

فجوابنا وبالله تعالى التوفيق أننا لم نعذر من عذرنا بآرائنا ولا كفرنا من كفرنا بظننا وهو أنا وهذه خطة لم يؤتها الله عز وجل أحد دونه ولا يدخل الجنة والنار أحدا بل الله تعالى يدخلها من شاء فنحن لا نسمي بالإيمان إلا من سماه الله تعالى به كل ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

ب ـ ولا يختلف اثنان من أهل الأرض لا نقول من المسلمين بل من كل ملة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع بالكفر على أهل كل ملة غير الإسلام الذين تبرأ أهله من كل ملة حاشى التي أتاهم بها عليه السلام فقط فوقفنا عند ذلك.

ج ـ ولا يختلف أيضا اثنان في أنه عليه السلام قطع باسم الإيمان على كل من اتبعه وصدق بكل ما جاء به وتبرأ من كل دين سوي ذلك فوقفنا أيضا عند ذلك ولا مزيد فمن جاء نص في إخراجه عن الإسلام بعد حصول اسم الإسلام له أخرجناه منه سواء أجمع على خروجه منه أو لم يجمع وكذلك من أجمع أهل الإسلام على خروجه عن الإسلام فواجب اتباع الإجماع في ذلك وأما من لا نص في خروجه عن الإسلام بعد حصول الإسلام له ولا إجماع في خروجه أيضا عنه فلا يجوز إخراجه عما قد صح يقينا حصوله فيه.

هـ ـ قال ابن حزم: وأما ما لم تقم الحجة على المخالف للحق في أي شيء كان فلا يكون كافرا إلا أن يأتي نص بتكفيره فيوقف عنده، كمن بلغه وهو في أقاصي الزنج ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقط فيمسك عن البحث عن خبره فإنه كافر.

ز ـ قال ابن حزم: وأما من قال إن الله عز وجل هو فلان لإنسان بعينه أو أن الله تعالى يحل في جسم من أجسام خلقه أو أن بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبيا غير عيسى بن مريم فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد، ولو أمكن أن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغه قط خلافه لما وجب تكفيره حتى تقوم الحجة عليه.

ح ـ وقال ابن حزم: والحق هو أن كل من ثبت له عقد الإسلام فإنه لا يزول عنه إلا بنص أو إجماع.

ط ـ وقال في الدرة فيما يجب اعتقاده ص 414: من بلغه الأمر عن رسول الله من طريق ثابتة وهو مسلم فتأول في خلافه أو رد ما بلغه بنص آخر فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك وفي الأخذ بما أخذ فهو مأجور معذور لقصده إلى الحق وجهله به وإن قامت عليه الحجة في ذلك فعاند فكما ذكرنا قبل في التكفير أو التفسيق لا تأويل بعد قيام الحجة، وأما من خالف الإسلام إلى دين آخر وأقر بنبوة أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن بلغته النذارة فهو كافر لا يعذر بتأويل أصلا، لأن النص ورد بأن من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وبأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وأما من لم تبلغه الدعوة فلا شئ عليه اهـ.

ي ـ وقال في الإحكام في أصول الأحكام 4/ 580 وأهل الأهواء وأهل كل مقالة خالفت الحق وأهل كل عمل خالف الحق مسلمون أخطأوا مالم تقم عليهم الحجة فلا يقدح شيء من هذا في إيمانهم ولا في عدالتهم بل هم مأجورون على ما دنوا به من ذلك وعملوه أجرا واحدا إذا قامت عليهم الحجة في ذلك من نص قرآن أو سنة ما لم تخص ولا نسخت، فأيما تمادى على التدين بخلاف الله عز وجل أو خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نطق بذلك فهو كافر مرتد، وإن لم يدن لذلك بقلبه ولا نطق بلسانه، ولكن تمادى على العمل بخلاف القرآن والسنة فهو فاسق بعمله مؤمن بقلبه وقوله اهـ. وأنكر التفريق بين الداعية وغيره، وبين الفتيا والنحلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت