فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 59

وممن جنح إلى ذلك من المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهادته لهم بالجنة قال وهو عندي احتجاج صحيح، قال واحتج من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علما قطعيا وفيه نظر لأنا نعلم تزكية من كفروه علما قطعيا إلى حين موته وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم ويؤيده حديث (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) وفي لفظ لمسلم (من رمى مسلما بالكفر أو قال يا عدو الله إلا حاد عليه) قال وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح فيه بالجحود بعد أن فسروا الكفر بالجحود.

فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من كفروه علما قطعيا، ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم، كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك ... قال الحافظ وممن جنح إلى بعض هذا المحب الطبري في تهذيبه فقال بعد أن سرد أحاديث الباب فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث (يقولون الحق ويقرؤون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء) ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا لخطأ منهم فيما تأولوه من آي والقرآن على غير المراد منه ويؤيد القول بالكفر ما تقدم من الأمر بقتالهم وقتلهم مع ما ثبت من حديث ابن مسعود أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وفيه التارك لدينه المفارق للجماعة كما تقدم.

وقال القرطبي في المفهم: يؤيد القول بتكفيرهم ما في الأحاديث من أنهم خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية بشيء وقد أشار إلى ذلك بقوله سبق الفرث والدم.

وحكي في الفتح عن صاحب الشفاء أنه قال فيه وكذا انقطع بكفر من قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تفكير الصحابة وحكاه صاحب الروضة في كتاب الردة عنه وأقره.

وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام وإنما فسقوا بتكفير المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك، وقال الخطابي أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحاتهم وأكل ذبائحهم وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام.

وقال القاضي عياض كادت هذه المسألة أن تكون أشد إشكالا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمام أبا المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين قال وقد توقف القاضي أبو بكر الباقلاني قال ولم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالا تؤدي إلى الكفر.

وقال الغزالي في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة الذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد.

قال ابن بطال ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين من جملة المسلمين ... قال وقد سئل علي عن أهل النهروان هل كفروا فقال من الكفر فروا، قال الحافظ وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن يتحقق على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم.

قال القرطبي في المفهم والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث قال فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتغنم أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب قال وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا اهـ مختصرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت