هـ ـ وبعض السلف فرّق: فقال صاحب المحرر والصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية فإنا نفسق المقلد فيها كمن يقول بخلق القرآن أو أن ألفاظنا به مخلوقه أو أن علم الله مخلوق أو أن أسماء مخلوقة أو أنه لا يرى في الآخرة أو يسب الصحابة تدينا أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد وما أشبه ذلك فمن كان عالما في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره نص أحمد صريحا على ذلك في مواضع قال واختلف عنه في تكفير القدرية بنفي خلق المعاصي على روايتين ... وله في الخوارج كلام يقتضي في تكفيرهم روايتين.
وقال صاحب المحرر الصحيح أن كل بدعة لا توجب الكفر لا يفسق المقلد فيها لخفتها مثل من يفضل عليا على سائر الصحابة ويقف عن تكفير من كفرناه من المبتدعة ثم ذكر رواية ابن هانئ المذكورة وقول المروذي لأبي عبد الله إن قوما يكفرون من لا يكفر فأنكره وقوله في رواية أبي طالب من يجترئ أن يقول إنه كافر يعني من لا يكفر وهو يقول القرآن ليس بمخلوق.
وهذه طريقة وهي التفريق بين الداعية وغيره، قال ابن رجب في جامع العلوم: عند حديث ابن مسعود (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) . ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين وهو ذريعة ووسيلة إليه فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة.
وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بهذا التقدير ولله الحمد اهـ مختصرا.
و ـ وممن فرّق أيضا ابن القيم حيث قال في النونية
هم عندنا قسمان أهل جهالة * وذوو العناء وذانك القسمان
جمع وفرق بين نوعين هما * في بدعة لا شك يجتمعان
وذوو العناد فأهل كفر ظاهر * والجاهلون فانهم نوعان
متمكنون من الهدى والعلم بالأسباب ذات اليسر والامكان *
لكن إلى أرض الجهالة أخلدوا ... واستسهلوا التقليد كالعميان *
لم يبذلوا المقدور في إدراكهم * للحق تهوينا بهذا الشان
فهم الألى لا شك في تفسيقهم * والكفر فيه عندنا قولان
والوقف عندي فيهم لست الذي * بالكفر أنعتهم ولا الإيمان
والله اعلم بالبطانة منهم * ولنا ظهارة حلة الإعلان
لكنهم مستوجبون عقابه * قطعا لأجل البغي والعدوان
هبكم عذرتم بالجهالة إنكم * لن تعذروا بالظلم والطغيان
* والطعن في قول الرسول ودينه ... وشهادة بالزور والبهتان *
ــــــــــــ
والآخرون فأهل عجز عن بلو * غ الحق مع قصد ومع إيمان
بالله ثم رسوله ولقائه * وهم إذا ميزتهم ضربان
قوم دهاهم حسن ظنهم بما * قالته أشياخ ذوو أسنان
وديانة في الناس لم يجحدوا سوى * أقوالهم فرضوا بها بأمان
لو يقدرون على الهدى لم يرتضوا * بدلا به من قائل البهتان
فأولاء معذورون إن لم يظلموا * ويكفروا بالجهل والعدوان
والآخرون فطالبون الحق لكن صدهم عن علمه شيئان *
مع بحثهم ومصنفات قصدهم ... منها وصولهم إلى العرفان *
أحداهما طلب الحقائق من سوى ... أبوابها متسوري الجدران *
وسلوك طرق غير موصلة إلى * درك اليقين ومطلع الإيمان
فتشابهت تلك الأمور عليهم * مثل اشتباه الطرق بالحيران
فترى أفاضلهم حيارى كلها * في التيه يقرع ناجذ الندمان
ويقول قد الطرق لا * أدري السلام الأعظم السلطاني
بل كلها طرق مخوفات بها الآفات حاصلة بلا حسبان *
فالوقف غايته وآخر أمره ... من غير شك منه في الرحمن *
أو دينه وكتابه ورسوله ولقائه وقيامة الأبدان
* فأولاء بين الذنب والأجرين أو ... إحداهما أو واسع الغفران *
فانظر إلى أحكامنا فيهم وقد ... جحدوا النصوص قولان القرآن *
وانظر إلى أحكامهم فينا لأجل خلافهم إذ قاده الوحيان
الشياطين يستوي الحكمان عند الله أو * عند الرسول وعندي ذي الإيمان
الكفر حق الله ثم رسوله * بالشرع يثبت لا بقول فلان
من كان رب العالمين وعبده * قد كفراه فذاك ذو الكفران