فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 59

وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد قال سألت أبي فقلت قوله تعالى (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) إلى آخر الآية، فقال هم الحرورية وهذا الإسناد وإن صح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فهو تفسير على المعنى لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على علي بالنهروان فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل لأنهم سموا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام والفاسق في اللغة هو الخارج عن الطاعة أيضا وتقول العرب فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها.

و ـ كلاب النار:

ومنهم من يسميهم كلاب النار لحديث ابن أبي أوفى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج كلاب النار رواه ابن ماجة.

ز ـ ومنهم من يسميهم شرار الخلق:

قال البخاري في صحيحه: باب قتل الخوراج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.

ح ـ منافقون باعتبار:

قال ابن أبي العز رحمه الله في شارح الطحاوية 1/ 357: قال في أقوال أهل البدع: ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل إنه كفر، والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك (أي التكفير) إلا إذا صار منافقا زنديقا فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا، وكتاب الله يبين ذلك فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف:

صنف كفار من المشركين ومن أهل الكتاب وهم الذين لا يقرون بالشهادتين وصنف المؤمنون باطنا وظاهرا. وصنف أقروا به ظاهرا لا باطنا.

وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين فإنه لا يكون إلا زنديقا، والزنديق هو المنافق، وهنا يظهر غلط الطرفين فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع الباطن يلزمه أن يكفر أقواما ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أسلم مولى عمر رضي الله عنه عن عمر أن رجلا كان على عهد النبي كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله وكان رسول الله قد جلده في الشراب فأتى به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله (لا تلعنه فوالله ما علمت إلا إنه يحب الله ورسوله) .

وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين وفيهم بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج، ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة بل بفرع منها، ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء طوائف من السلف المشاهير فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون.

قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 5/ 209 ولهذا كثيرا ما يكون أهل البدع مع القدرة يشبهون الكفار في استحلال قتل المؤمنين وتكفيرهم كما يفعله الخوارج والرافضة والمعتزلة والجهمية وفروعهم لكن فيهم من يقاتل بطائفة ممتنعة كالخوارج والزيدية ومنهم من يسعى في قتل المقدور عليه من مخالفيه إما بسلطانه وإما بحيلته ومع العجز يشبهون المنافقين يستعملون التقية والنفاق كحال المنافقين.

وذلك لأن البدع مشتقة من الكفر فإن المشركين وأهل الكتاب هم مع القدرة يحاربون المؤمنين ومع العجز ينافقونهم والمؤمن مشروع له مع القدرة أن يقيم دين الله بحسب الإمكان بالمحاربة وغيرها ومع العجز يمسك عما عجز عنه من الانتصار ويصير على ما يصيبه من البلاء من غير منافقة بل يشرع له من المدارات ومن التكلم بما يكره عليه ما جعل الله له فرجا ومخرجا.

ولهذا كان أهل السنة مع أهل البدعة بالعكس إذا قدروا عليهم لا يعتدون عليهم بالتكفير والقتل وغير ذلك بل يستعملون معهم العدل الذي أمر الله به ورسوله كما فعل عمر بن عبدالعزيز بالحرورية والقدرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت