قال القاضي عياض في الشفا والصواب ترك إكفارهم ولإعراض عن الختم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحتهم ودياتهم والصلاة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم لكنهم يغلظ عليهم بوجع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأي الخوارج والاعتزال فما زاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافا لمن رأى غير ذلك والله الموفق للصواب.
قال الخطابي قد أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم وقبول شهادتهم، وسئل عنهم علي بن أبي طالب فقيل أكفار هم. قال من الكفر فروا قيل أفمنافقون هم؟ قال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله بكرة وأصيلا، فقيل ما هم قال قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا قال الخطابي فمنعى قوله صلى الله عليه وسلم (يمرقون من الدين) أراد بالدين الطاعة أي أنه يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة وينسلخون منها والله أعلم.
فقد جاء في ما رواه النسائي في الكبرى في مناظرة ابن عباس للخوارج فقال: فرجع منهم ألفان وبقي سائرهم فقتلوا على ضلالتهم قتلهم المهاجرون والأنصار انتهى.
ورواه عبد الرزاق في مصنفه، في أواخر القصاص، حدثنا عكرمة بن عمار به وقال في آخره فرجع منهم عشرون ألفا، وبقي منهم أربعة آلاف، فقتلوا على ضلالتهم.
قال في عون المعبود 12/ 276 قال الخطابي أجمعوا أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من المسلمين يجوز مناكحتهم وذبحهم وشهادتهم اهـ.
قال الإمام محمد بن نصر المروزي وقد ولى علي رضي الله عنه قتال أهل البغي وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ما روى وسماهم مؤمنين وحكم فيهم بأحكام المؤمنين وكذلك عمار بن ياسر.
هـ ـ ومنهم من يسميهم بالفاسقين والأخسرين والناقضين:
قال ابن كثير: قال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو عن مصعب قال سألت أبي يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) أهم الحرورية قال لا هم اليهود والنصارى أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه فكان سعد رضي الله عنه يسميهم الفاسقين.
وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد هم الحرورية ومعنى هذا عن علي رضي الله عنه أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) وقال تعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من مل فجعلناه هباء منثورا) وقال تعالى (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) .
وقال في هذه الآية الكريمة (قل هل ننبئكم) أي نخبركم (بالأخسرين أعمالا) ثم فسرهم فقال (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا) أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) أي يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون وقوله (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه) أي جحدوا آيات الله في الدنيا وبراهينه التي أقام على وحدانيته وصدق رسله وكذبوا بالدار الآخرة (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) أي لا نثقل موازينهم لأنها خالية عن الخير اهـ.
وقال ابن كثير: وقال قتادة (وما يضل به إلا الفاسقين) فسقوا فأضلهم الله على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم حُدِّثت عن إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن سعد (يضل به كثيرا) يعني الخوارج.