فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 64

بالفعل (بعُدَ) أي بعُد ما يتصل بأسفارنا، وبعدت المسافات بين البلاد، وروى الفراء و أبو إسحاق (بَعُدَ بينَ أسفارِنا) : بعد سيرنا بين أسفارنا، قال النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها، ولكن خبر عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم بطرا وأشرا وخبر عنهم أنهم لما فعل ذلك بهم خبروا به وشكوا [1]

والمعنى: تبطروا على هذه النعم وطلبوا زوالها وتمنوا لو كان السفر طويلًا وشاقًا، وبلغ الترفُ ببعضهم والدَّعَةُ أن اشتكى من بعد الأسفار جحودًا وإنكارًا لنعم الله تعالى فكانوا بين جاحدٍ للنعمة وبين متبرمٍ منها متململٍ يتمنى زوالَها، وذلك لما طالت بهم مدة النعمة فبطروا وملوا وآثروا الذي هو أدنى على الذي هو خير، وقالوا: لو كانت متاجرُنا أبعدَ كان ما نجلبُه منها أشهى وأغلى.

فسئموا طيب العيش وملوا العافية، وطلبوا الكد والتعب كما طلب بنو إسرائيل الثوم والبصل مكان السلوى والعسل، وقالوا لو كان جنى جناننا أبعد لكان أجدر أن نشتهيه، وسألوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز وقفارا ليركبوا فيها الرواحل ويتزودوا الأزواد ويتطاولوا فيها على الفقراء.

قال الشوكاني:"وكان هذا القول منهم بطرًا وطغيانًا لما سئموا النعمة، ولم يصبروا على العافية، فتمنوا طول الأسفار، والتباعد بين الديار، وسألوا الله تعالى: أن يجعل بينهم وبين الشام مكان تلك القرى المتواصلة الكثيرة الماء، والشجر، والأمن: المفاوز، والقفار، والبراري المتباعدة الأقطار، فأجابهم الله إلى ذلك، وخرّب تلك القرى المتواصلة، وذهب بما فيها من الخير، والماء، والشجر. [2] "

(? ?) وظلموا أنفسهم بجحودهم وغفلتهم، وتململهم وتعنتهم.

(ں ں) يتحدث الناس بها ويتعجبون من أخبارهم وبؤسهم بعد عيشهم الرغيد، وتفرقهم بعد اجتماع شملهم وذلهم بعد عزهم.

(? ? ... ?) أي فرقناهم حتى صار تفريقهم مثلًا سائر لكل فُرقة ليس بعدها وصال فقالوا، تفرقوا أيادي سبأ، وذهبوا أيادي سبأ، يؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ

(1) - يراجع حجة القراءات لابن زنجلة ص 482 والنشر في القراءات العشر 2/ 350، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 14/ 256

(2) - فتح القدير للشوكاني 4/ 322

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت