فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة يشترون الكتب فيُحدثون بها، وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت، فيحدّثون بها، فمن يسمع منهم من غير أهل الصنعة فمعذور بجهله. فأما أهل الصنعة إذا سمعوا من أمثال هؤلاء بعد الخبرة ففيه جرحهم وإسقاطهم إلى أن تظهر توبتهم؛ على أن الجاهل بالصنعة لا يعذر، فإنه يلزمه السؤال عما لا يعرفه، وعلى ذلك كان السلف رضي الله عنهم أجمعين )) .
ثم نقل عن الأعمش قوله: «كان إبراهيم - يعني النخعي - صَيْرَفيّ الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث من بعض أصحابنا أتيته فعرضته عليه )) .
ونقل عن أبي جعفر الباقر قوله: «من فقه الرجل بصره بالحديث، وإذا عرف طالب الحديث إسلام المحدّث وصحة سماعه كتب عنه؛ فقل من يجد ما يرجع إلى الفهم والمعرفة والحفظ، وكل محدث تهاون بالسماع واستخفّ بالحديث فلا يخفى حاله ويظهر أمره )) .
ومن نظر بعين الإنصاف وجد من أمر هؤلاء المحدّثين عجبًا في العناية بالكتب، ومعرفة ما يلحق بها أو يُغَيّر.
فقد روى إبراهيم بن جريج الرهاوي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة ... ) )الحديث.
فاستنكر الأئمة هذا الحديث، ومنهم الدارقطني حين قال - كما في"اللسان" (1/ 129 - 130) : «لا يعرف هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام ابن أبجر، وكان طبيبًا )) .
وكشف العقيلي علّته، فأخرج في"الضعفاء" (1/ 51) عن أبي داود الحراني: «أن هذا الشيخ - يعني الرهاوي - وُقف على هذا الحديث، فلم يكن عنده أصل، وقال: كتبت عن زيد بن أبي أنيسة وضاع كتابي، فقيل له: من كنت تجالس؟ فقال: كان فلان الطبيب بالقرب من منزلي، فكنت كثيرًا أجلس إليه )) .
ثم قال العقيلي: «وهذا الكلام يروى عن ابن أبجر» ، ثم ساقه بسنده عنه، وكان قد قال عن المرفوع: «هذا الحديث باطل لا أصل له )) .
وفي ترجمة إبراهيم بن عبدالصمد بن موسى الهاشمي العباسي من"لسان الميزان" (1/ 167) : «وقال أبو الحسن ابن لؤلؤ الوراق: رحلت إليه إلى سامراء لأسمع منه"الموطأ"، فلم أر له أصلًا صحيحًا، فتركته وخرجت )) .