كون غيرهم يرويها أيضًا. وللحديث شهوة، فإذا كان عند المحدِّث شيء يرويه بإسناد فيه علو، أقبل الناس عليه من كل حدب وصوب للظفر بروايته عنه، فيحصل لذلك المحدِّث من الفخر على أقرانه ما يجعل بعض ضعاف النفوس يعمد إلى الكذب، فيدخل نفسه في سماعات بعض الكتب، أو ينسخ كتابًا ويدعي روايته عن شيخ متقدم، ويعمد إلى عرضه على النار، أو وضعه في التراب أو الزيت؛ ليخفي الكشط فيه ويوهم أنه قديم، حذرًا من كشف المحدثين له إذا وجدوا الكتاب بخط طريّ كما في بعض الحكايات السابقة.
وإليك بعض الوقائع التي تدل على طريقة المحدثين في كشف ما يقع من ذلك وشبهه:
ففي ترجمة إبراهيم بن الفضل الأصبهاني من"لسان الميزان" (1/ 181 - 182) نقل الحافظ ابن حجر عن ابن طاهر المقدسي قوله عن إبراهيم هذا: «وكان يكذب لنفسه ولغيره في الإجازات؛ كان له جزء استدعى إجازت، كل حين يلحق فيه أسماء أقوام من أهل الثروة، ويكتب لهم عن أولئك المشايخ أحاديث تقرأ عليهم ويشحذهم بها. فقال لي أبو محمد السمرقندي: قد عزمت على أن آخذ منه الجزء ولا أردّه إليه، ففعل ذلك، فوجدته ألحق على الهوامش أسماء جماعة لم يكن لهم ذكر في صدر الاستدعاء، فحبسه السمرقندي ولم يردّه إليه )) .
وفي ترجمة أحمد بن الحسين أبي بكر الصائن المقدسي (1/ 255 - 256) نقل عن ابن النجار قوله: «ادعى سماعًا من شيوخ لم يدركهم؛ كأبي نصر الزينبي وأبي الحسين ابن النقور وغيرهما، وظهر كذبه، فتركه الناس، وكان يحكّ أسماء غيره في الأجزاء ويثبت اسمه، ويشتري كتبًا وينقل اسمه وأسماء جماعة كانوا معه، ويعطيها لمن قد نقل اسمه مع القوم فيقول: أثبت هؤلاء في هذا الجزء، فيفعلون، ويتغفَّلهم، ومنهم من يرجع عن ذلك )) .
وفي ترجمة أحمد بن علي بن بدران الحلواني المقرئ (1/ 372) نقل عنه قوله: «كان شيخنا ليس له معرفة بطريق الحديث، روى كتاب"الترغيب"لابن شاهين عن العشاري من نسخة طرية مستجدَّة )) .