تنقط؛ لبيان أن الحديث عورض وروجع أَوْ لا؟ وهكذا في أبواب عدة كما تجده في"الجامع"للخطيب البغدادي (1/ 283 - 436) ، ولولا الطول الشديد لذكرت كلامهم في ذلك، وهو أمر معروف قلّما تجد كتابًا من كتب المصطلح إلا تكلم فيه، كل ذلك صيانة منهم لجناب الكتب، إذ هو وسيلة لصيانة الشريعة من الزيف، فهل بلغت أمة من الأمم ما بلغت هذه الأمة من الذود عن دينها، وحمايته؟
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا ظفير المجامع
ومن مظاهر هذه العناية عند المحدثين ما نجده من الكمّ الهائل من معاجم الشيوخ التي قلّما تجد محدثًا بعد القرون الثلاثة إلا وألّف معجمًا مختصًّا بشيوخه، ويذكر عن كل شيخ ما رواه عنه من الكتب، ثم تجد في الكتاب تلك السماعات التي تصل إلى صفحات عديدة في أحايين كثيرة، ويذكر في السماع أحيانًا من حضر ذلك المجلس، ومن خلال تلك السماعات استطاعوا أن يعرفوا كذب بعض الذين يدعون السماع ولم تكتب أسماؤهم كما مرّ في بعض الأمثلة.
فمن هنا أصبح من المستحيل ادّعاء كتاب لا تصح نسبته، وبسبب تظافر هذه الجهود وتراكمها أصبح من السهل اكتشاف زيف تلك الدعوى. ومن نظر في كتب الضعفاء وجد كمًّا من الكتب الموضوعة التي بيّن أهل العلم وضعها، كما تجد ذلك في"الكامل"لابن عدي، و"الضعفاء"للعقيلي، و"المجروحين"لابن حبان.
وخذ مثالًا على ذلك:
-أبو هدبة إبراهيم بن هدبة - ذكر الحاكم في"معرفة علوم الحديث" (ص 9 - 10) سنده إلى أبي هدبة هذا، عن أنس رضي الله عنه، ثم قال: «وهذه نسخة عندنا بهذا الإسناد» . وذكره ابن حبان في"المجروحين" (1/ 114 - 115) وقال: «دجال من الدجاجلة )) .
وفي موضع آخر - في ترجمة عبدالله بن مسلم الدمشقي - (2/ 44) قال: «وهو الذي روى عن أبي هدبة نسخة كلها معمولة» . ثم ذكر الحاكم نسخة عبدالله بن دينار عن أنس، وقال: «وهذه أيضًا نسخة كبيرة» ، ثم ذكر نسخة موسى بن عبدالله الطويل عن أنس، وذكر غيرها، ثم قال: «وفي الجملة أن هذه الأسانيد وأشباهها؛