وليت هناك من سبقه إلى هذا - ولو كان مخطئًا - لكان الأمر أهون، أما أن يعمد إلى رجل اتفق الأئمة كلهم على وصفه بوصف يفارق به الإباضي، فيخطئهم كلهم، ويرى أنه الإباضي، فهذا غير مقبول مع وجود هذه المفارقات:
1 -فالذي تكلم عنه الأئمة اسمه عبدالله بن القاسم، والإباضي اسمه مسلم بن أبي كريمة.
2 -والذي تكلم عنه الأئمة لقبه: كورين - أو رزين -، والإباضي لا يعرف بهذا اللقب، ولو كان معروفًا لنقله الظافر، أو القنوبي من كتب الإباضية.
3 -الإباضي يروي مباشرة عن جابر بن زيد، بل يعتبره الإباضية وارث علومه، ويرون أنه قاد الحركة الإباضية بعده، وهذا مسند الربيع بن حبيب قلّما تجد فيه حديثًا من رواية غير أبي عبيدة عن جابر. بينما الذي تكلم عنه الأئمة يرونه لم يسمع من جابر بن زيد، وإنما يروي عنه بواسطة ضمام، أو عمارة بن حيان، أو صالح الدهان، بل صرح بذلك يحيى بن معين حين قال:"أبو عبيدة لم يسمع من جابر بن زيد، عن رجل عنه".
ومن عانى صنعة الأسانيد، ومعرفة الرجال يعلم أن الأئمة يفرقون بين الراويين بأقل من هذا بكثير.
وقد اعترف الظافر بأن هناك إباضيًّا يكنى: أبا عبيدة، واسمه عبدالله بن القاسم، ولم يسمع من جابر بن زيد، فهو غير أبي عبيدة شيخ الربيع بن حبيب، ويعرف عندهم بأبي عبيدة الصغير، ولكن يرى أنه ليس له رواية للحديث، ولذلك عمد إلى سلبه كل هذا التعريف الذي حُظي به؛ ليمنحه شيخ الربيع بن حبيب المتقدم عن هذا زمنًا، والمفارق له اسمًا ولقبًا، لا لشيء، إلا ليدفع عنه وصف الجهالة الذي ذكرته عنه أنا وغيري.
وأنا لا أجزم بأن أبا عبيدة الصغير هذا هو عبدالله بن القاسم الملقب: كورين، الذي تكلم عنه الأئمة، ولا أنفي ذلك، فإذا كان الظافر يعرفه، فإن تنزيل كلام الأئمة عليه يكاد يكون مقبولًا؛ بحكم الاشتراك في الاسم، والكنية، والطبقة، ودفع ذلك بحجة أنه ليس راوية للحديث غير مقبول، فعدم العلم ليس علمًا بالعدم، وقد يكون الراوي مقلاًّ من الرواية، فيظن أنه غير راوية لقلّة روايته.
وصنيع الظافر هنا يذكرنا بصنيع سعيد بن مبروك القنوبي - الذي سبق ذكره -؛ حين نقل النص من كتاب"العلل"لعبدالله بن أحمد وأسقط منه جميع الدلائل التي تدل