فهرس الكتاب
بهذا نتوصل إلى أنّ مصطلح"العالميّة"يفيد معنى انفتاح على العالم وعلى الثقافات الأخرى مع الاحتفاظ بخصوصيات تلك الثقافات على نحو ما سجل التاريخ عن الحضارات الإسلاميّة في احترام الثقافات الأخرى، وإفادة منها بقدر ممكن، بينما يفيد مصطلح"العولمة"في هذا العصر معنى"نفي الآخر"وإحلال الاختراق الثقافي محلّ الصراعات العقائدية، بل تقوم ثقافة الاختراق على جملة أوهام، هدفها التطبيع مع الهيمنة، وتكريس الاستتباع الحضاري، وإفراغ الهويّة الجماعيّة من كلّ محتوى، والدفع بها إلى التشتيت والتفتيت لربط الناس بعالم لا الوطن، ولا الدولة [1] .
مواقف الباحثين تجاه العولمة
فشأن الباحثين في قضية العولمة لا يختلف عن شأنهم في معظم القضايا الكبيرة، إمّا الوقوف في أقصى اليسار أو أقصى اليمين، أو من يمسك العصا من الوسط. فوِفْقًا لهذه الواقعية يمكن القول بأنّ للباحثين من العولمة مواقف ثلاثة: منها فئة أخذت مكانها من العولمة في أقصى اليسار وداعية إلى التغريب -بكل ما تعنيها الكلمة - مندفعين إلى العولمة بكلّ الحماسة، والسابح في تيارها، ويتعاملون معها بغير قيود ولا تحفظ، بل يتبعها شبرا بشبر وذارعًا بذراع، حتى لو دخلت بهم العولمة إلى حجرة ضب لدخلوها، [2] وأخرى في أقصى اليمين، يخفون من العولمة، وهم المتمسكون بكلّ قديم، والمتوجسون من كل جديد، ويهربون من كلّ ما له العلاقة بالعولمة ويلوذون بالصوامع، وينكفئون على اللذات، في عزلة وتقوقع، وغيبة عما يدور به الفلك حولهم في دنيا الفكر ودنيا الاقتصاد، ودنيا السياسة، ودنيا التكنولوجيا ودنيا التمدّن والحضارة، وهم يؤمنون بسياسة إغلاق الأبواب التي تهب
(1) انظر: محمد عابد الجابري، والآخرين،"كتاب ما العولمة؟"- دار الفكر بدمشق (2002 م) ص 34.
(2) انظر: يوسف القرضاوي، المرجع السابق ص 131.