فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 300

اللغة العربيّة وعلاقتها بالعولمة:

لقد وصلت اللغة العربيّة الفصحى لغةً تامة متماسكة، واضحة التراكيب، ثابتة الجذور، تكاد ألفاظها غير متناهية في وفرتها وتنوّعها، لغة عميقة راسي في كل ما يعبّر عمّا يختلج في الصدور وما يجول في العقول، إنّها الوعاء الذي يستقي منه الإنسان العربي ما تحتاج إليه في تواصله مع الآخر، ويعتمده في البوح عن أعمق المشاعر. إنّها تحمل إلى العرب نتائج حضارة عالميّة لم تخب ألق توهّجها على رغم انقضاء مئات السنين على ظهورها. [1] وأسهمت اللغة العربيّة في مسيرة الحضارة البشريّة، أيما إسهام فكانت لغة العلم والثقافة وطوّعت الثقافات القديمة، ثّم أبدعت وابتكرت، وقدّمت خلاصة تجاربها إلى أوروبا في مختلف ميادين المعرفة والعلوم، حين أنارت أوربا من عصورها المظلمة [2] ، فصارت اللغة العربيّة تمثل نموذج اللغة التي يحرص المثقفون من غير أبنائها على أن يتحلوا بمعرفتها، بل استعارت حروفها كثير من اللغات وخاصة اللغات الإسلامية لكي تكتب كلماتها بها ومن بينها اللغة الفارسية في إيران وأفغانستان، واللغة الماليزيا والاندونيسيا، واللغة الأوردية في الهند وباكستان، فهاتان اللغتان كانتا - وما تزالان- تكتبان بالحروف العربية [3] ، إلى أن وصلت القوة الاستعمارية، وفرضت التعليم الغربي على الدول الواقعة تحت سيطرتها وافتتان بعض الآباء والأمهات بأهمية التعليم الإنجليزي للمعاش، وصارت معرفتها وسيلة للحصول على المكانة الرفيعة في المجتمع ووسيلة للحصول على الوظيفة ذات الياقة البيضاء، وصار لتعليمها وزن اجتماعي وسياسي واقتصادي، فأصبح من العسير على الآباء مدافعة الرغبة في إدخال أبنائهم في هذه المدارس، وتلك كانت الفرصة الذهبية للغرب التي لم يدعوها تفلت منهم لتغريب العالم بما فيه العالم الإسلامي، والدول العربيّة. فيأخذون الأطفال منذ نعومة أظفارهم عجينة، فيصوغونهم كما يريدون، ويبعدونهم عن اللغة المحليّة بقدر ما يقربهم إلى الأجنبيّة ويحبِّبونهم في حضارة الغرب

(1) مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق - مج،85 ج 1.

(2) انظر: عطّار عبد الغفور،"قضايا ومشكلات لغوية"، ط 2، مكة المكرّمة (1990 م) ص 14.

(3) المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت