فهرس الكتاب
عصر الازدهار اللغوي، وهي قوميّة بحتة توارثت حيويتها من الأيام الخشنة في الصحراء، والتي مكنتها من أن تقف في وجه الأزمات والصعوبة [1] .
ثانيًا: كونها أطول اللغات الحّية عمرًا، وهي تجمع الأمة الناطقة بها إلى اليوم على تباعد شعوبها مكانًا، وامتداد تاريخها زمانًا في وحدة منقطعة النظير. إنّها اللغة التي لم يعرف العالم الإنساني مثلها في بقائها حيّة فاعلة على مدى نحو من ستة عشر قرنًا أو يزيد. والدليل على ذلك أنّ القارئ العربي يستطيع أن يفهم اليوم نصوص أدبيّة مكتوبة باللغة العربيّة منذ ما يقارب ألف وستّمائة عام.
وثالثًا: إنّها ترتبط بكتاب الله، ولم ترتبط بمثله لغة أخرى من لغات العالم. فما من لغة ارتبطت بكتاب ديني مقدس ارتباط العربية بالقرآن، فلقد شاءت إرادة الخالق سبحانه وتعالى أن تكون العربية صوت وحيه، وحروف لغته في خاتمة رسالاته، بل أن تكون هي ثوب الإعجاز في كتابه الكريم، إنّها كلام الله في كتابه الكريم.
ورابعًا: إنّها لم تؤتَ لغة من اللغات ما أوتيته العربية من قدرة على جمع الأمة المؤمنة بها على اختلاف أديانها، وعقائدها، وأعراقها، وأجناسها. [2] فاللغة العربية على الرغم مما طرأ عليها من التطور منذ تلك النهضة العلمية الباسقة التي سادت القرن الميلادي العاشر، حين أنارت أوربا في عصورها المظلمة فإنّ الشكل المعاصر والمطوِّر لهذه اللغة يبقى وثيق الصلة باللغة التراثية الحاملة للعلوم والحضارة، بل هو اللغُة ذاتها. فهذا واقع لا يضاهيه واقع أي من لغات العالم، التي انقطعت الصلة بنصوصها السابقة للقرن الميلادي العاشر، حتى إنّ النصوص السابقة للقرن الخامس عشر تحتاج إلى شروح وتفاسير سواء أكان ذلك في الفرنسية، أو الإنجليزيّة، أو الألمانية. وهذا ما جعل اللغة العربية تشكّل تواصًلا لغويًا امتدّ على نيف وخمسة عشر قرنًا، وأتحفنا بنصوص عالميّة الأهميّة يستطيع كلّ باحث أن يطلّع عليها بكلّ سهولة وكأنّها حديثة، ولو أنّها كتبت في القرن الثامن أو التاسع الميلادي. [3]
(1) انظر: فتحي على يونس، والأخرين،"المرجع في تعليم اللغة العربيّة للأجانب" (من النظريّة إلى التطبيق) ص، 12.
(2) مازن المبارك،"العربية هوية ونسب"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق - مج، 85، ج، 2.
(3) المجمع، في حفل استقبال د. لبانة مشوِّح كلمة الدكتور المحاسني.