فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 209

فهل يمكن لفضاء النص أن يكون تعويضا - في بعض حالات الإخفاق- عن فضاء الأنا المفعم بكثير من التناقضات والآلام والحيرة التي تغيّب دور الأنا عن تحقيق وجودها في عالم المثال؟ يمكننا أن نستعرض لأجل هذا التساؤل بعض الأبيات التي تتلفع برمز الحرف أو القصيدة للبوح ..

الواضح أن هناك توأمة بين فضاء الأنا وبين فضاء النص؛ إذ يغدوان في المناجاة شيئا واحدا لا انفصام بينهما، وهذا له دلالتان: الأولى أنه لا انفكاك بين المعاناة وبين التعبير عنها، وهو ما يحصل بين ثنائية الفضاءَين؛ فالأنا لا تجد مناصًا للتعويض غير القصيدة، والقصيدة تعزف أوجاع الذات في سيمفونية من الغنائية لا تخفى في مثل هذا النوع من الشعر، الذي يحوم حول الأنا ومعاناتها أو سرورها، الدلالة الثانية أن كلا الفضاءين يَعْبُر إلى الآخر ويتجاوز الحدود الفاصلة لنجد القصيدة معاناة أو تشاؤما أو شكوى، وفي الوقت ذاته نجد الأنا مسلوبة لا تمتلك خيارا غير القصيدة؛ فهما فضاءان شكلا لكنهما في حقيقة الأمر فضاء واحد، إلى جانب أننا حينما نتحدث عن الأنا الشاعرة لا نجدها أنا في

محرابها دون علائق ما حولها بمعنى أنها تحولت بفعل التعبير وبفعل دوافع التعبير إلى ذات، وفي هذه الحالة تصبح المعاناة أمام الأنا مركبة من معاناتين معاناة الآخر الأبعد الذي قد تمثله الحبيبة، ومعاناة الذات التي تناقض المثال المرجو لدى الأنا، وأبيات التشاؤم التي تصور الأنا في هذا الوضع وهي تفر إلى الحرف فلا تلقى مبتغاها أو تحدث مفارقة مع توقعها وأمنياتها كثيرة، فالشاعر يتمنى ألا يكون كحرفه في صورة من فقدان الرجا فيه [1] :

ليتني ...

ألفُ ليتني ...

في العالم الغريب ذرَّةٌ ..

(1) 1 - ديوان دروب الضياع، ص 121

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت