فيما يرمي إليه من الاعتداد بالنفس لا يكاد يكون هناك فارق -كبير- بين الفخر والاعتزاز، وحديثنا عن أحدهما يصب في خانة الآخر، ويفضي إليه، بعيدا عن إسهاب التحليلات المعجمية لكليهما، وما يعنينا هنا هو نظر الأنا أو الذات إلى مرآتها بشيء من التعالي على الآخر الذي قد يتمثل في أي طرف يعنيه الشاعر ويقصده.
عرف الشعر العربي في بداياته الفخر بنوعيه؛ الفخر الجماعي وهو الفخر القبلي، والفخر الفردي وهو الاعتزاز ببطولات الأنا ومغامراتها، وصفاتها في المعارك أو في مكارم الأخلاق والشهامة والمروءة أو مع الحبيبة.
وما كان غالبا على العصر الأول هو النوع الأول من الفخر؛ إذ لم يعرف الشعر العربي اعتزاز الشاعر بنفسه إلا يسيرا، وجاء العصر الإسلامي -الممتد إلى العصر العباسي- فاختفت هذه النزعة؛ إذ حل الاعتزاز بالإسلام وقيمه وأمجاده وبطولاته مكان اعتزاز الفرد بقبيلته أو نسبه، ومع ذاك فقد"ظلت للفخر حيويته القديمة، وإن كان قد ضعف فيه الفخر القبلي، على أن أسرابًا بقيت منه عند نفر من الشعراء،" [1] ، وما لبث أن تحول إلى فخر واعتزاز بالصفات الشخصية مثل المروءة والكرم وغيرها.
وشعر الفخر والاعتزاز غنائي يصدر عن تمجيد الأنا إذ"يتغنى فيه الشاعر بنفسه أو بقومه انطلاقا من حب الذات كنزعة إنسانية طبيعية ... فالإنسان بطبيعته يحب ذاته ويتأمل نفسه، كثيرا ويقارن بينه وبين غيره من الناس" [2] ، وقد نحى الفخر في العصر الحديث منحى -ربما - اختلف عن سابقيه من العصور ولكنه لم يحد عن هذه الصيغة من تمجيد الأنا، فقد"افتخر بعض الشعراء بحبهم للنساء، والبعض الآخر بميلهم نحو الجهاد وافتخر الكثيرون بعروبيتهم وبإبائهم. هذا لا يعني أن الشاعر في العصر الحديث تبرأ من الفخر التقليدي، لكنه اهتم أكثر بالنواحي الاجتماعية والإنسانية"
(1) 1 - شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي - العصر العباسي الأول، دار المعارف، القاهرة، ط 16/ 2004 م، ص 170
(2) 2 - سراج الدين محمد، الفخر في الشعر العربي، سلسلة المبدعون، دار الراتب الجامعية، بيروت- لبنان، د. ت. ط.،ص 5