تبين من خلال النماذج الشعرية لهذا الفصل: الآخر بوصفه حبيبًا وبوصفه حاسدًا وبوصفه محايدًا أن الشاعر يصدر شعره عن تجربة شعرية لها دوافعها نحو الآخر ببث المشاعر والأحاسيس تجاه الآخر الحبيب، بما يعنيه أن يوصل إليه من عواطف تارة، وعتاب، وأحيانا تذكير بما يبذله نحو هذا الحبيب، وما يعانيه من أجله وما يسعى إليه للحفاظ على حبه له.
وجاءت أدوات الشاعر في خطابه للآخر الحبيب لتعبر عن المسافة التي حدها خطاب الغيبة حين يكون بعيدا أو خطاب الحاضر المواجه، وتمثلت أدواته في النداء والأمر، وهما أسلوبان يؤكدان حضور المخاطب، ولقد برز في خطاب الشاعر عن الآخر الحبيب التنوع في الموضوعات، والتنوع في الأساليب، والأدوات، وتنوعا في الضمائر التي يحتاجها لإيصال هذا الخطاب، ولم يخفَ ما فاض به خطاب الشاعر نحو الحبيب من ألفة قللت من كونه آخر محضا، بيد أن العلاقة بينه وبين هذا الآخر الحبيب لم تكن على خط مستقيم دوما؛ إذ أصاب هذا الخط التعرج في بعض الحالات.
وقد كانت علاقته بالآخر الحبيب هي أصفى لحظات العلاقة وأكثرها استقرارًا، تسفر فيه الأنا عن نوع من الاكتمال، مهما شاب الأنا من شوائب الهجر ومنغصات البعد، أو عنت الحبيب، وهذا بخلاف ما هي علاقة الأنا بالآخر حاسدا؛ إذ يطال أذى الآخر الأنا من خلال الحقد والكره، والعتاب، والتطفل الدائم على حياة الأنا وخصوصيتها، وقد برزت تعبيرات الشاعر لتجلية حال الآخر الحاسد والحاقد في ألفاظه ومباشرته تارة مثل الظلم والظلمة واللون الأسود، ولامست هذه العبارات شكل الآخر وباطنه، وسائر المعاني التي تلتصق به، وتارة جاء التعبير رامزًا غير مباشر، وقد طال أذى الآخر الحاسد الأنا في ذاتها وفي حبها وفيما يصدر عنها من إبداع، وكان موضوع نقد وازدراء و الأنا تضج في وجه الآخر وتهاجم وتدافع وتعري، وتكشف حقيقته.