أولًا: علاقة الوفاق:
-مع الحبيبة
-مما لا شك فيه أن أعلى درجات الوفاق التي يمكن أن يصل إليها المرء هي وفاقه مع من يحب ويهوى، ذلك؛ لأنه نوع من انعكاس الوفاق مع النفس؛ فهو يصدر عن تواؤم داخلي، وعن حرية في الاختيار، وبدونه لا يمكن لهذا الوفاق أن ينبعث أو أن ينشأ، وعليه يمكن أن نرى الحب"الموقف الذي يشمل على تمثل حرية الآخر، دون أن نرفع عنها صفتها كحرية" [1] والشاعر أكثر الناس إحساسًا بهذا الوفاق وأكثر تصديرًا له، وأكثر تعبيرًا عنه، بل إن شغل أغلب الشعراء وهاجسهم هو القول في هذا الوفاق وأعراضه وتنغيصاته، ذلك أن"الحب قيمة (كما الإبداع قيمة) تسمح للإنسان بأن يشعر بأنه"مبرر"من قبل الآخرين ويحول حياته إلى وجود" [2] وقد نجد شاعرًا جميع شعره في الغزل والحب ولا سواه، وشاعر آخر جل شعره في الغرض ذاته، بل إن هذه الحالة من التصالح هي من أقوى الدوافع للتجربة الشعرية والباعثة عليها، وقد عرف الشعر بالحبيبة وعرفت الحبيبة بالشعر، قديمًا وحديثًا، وهو تلازم فرضته الطبيعة البشرية، وحاجة الإنسان إلى ما يكمله، ويشعره بوجوده.
ويُعد أغلب شعر محمد فهد العيسى في الوجدانيات، بل إن أغلب دواوينه يدور في فلك ما يفصح عن ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، وحين نستعرض نماذج الوفاق بين الأنا والآخر - كعلاقة منسجمة - نجد الوفاق مع الحبيبة في المرتبة الأولى وفي المرتبة الثانية مع المكان، وهو مرتبط بالحبيبة شاء الشاعر ذلك أم أبى، وقليلًا ما يخرج الشاعر عن هذين الأمرين إلى غير ذلك.
إننا نجد الشاعر ينطق على لسان الحبيبة ما تقول إلفا به وبشعره وبالود بينهما [3] :
تُردِّدين ...
(1) 1 - الأنا والآخر والجماعة، ص 219
(2) 2 - نفسه، ص 220
(3) 3 - ديوان الإبحار في ليل الشجن، ص 57،56