فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 147

ولو بُذلَ الجهد -بدل ذلك- في تتبع أخبار الشعراء الحقيقيين والتأريخ لهم لكان أقرب إلى الموضوعية، فهناك عشرات الآلاف -وليس بضعة آلاف- تنظم الشعر بالعربية، في أمة عظيمة تبلغ مئات الملايين من البشر.

2 -ذُكرَ في المقدمة -التي سقتُ قطعة منها- من لم يعتبرهم المعجم شعراء؛ لأسباب أخلاقية، وأخرى علمية.

أما الأخلاقية فلا مناص من اعتبارهم شعراء، ولا قدرة للمعجم على إزاحةِ هذا اللقب عنهم ... أما قال الله تعالى عنهم: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ... } [سورة الشعراء: 224] فسماهم شعراء ولو كانوا غاوين؟ وهذه الصفة ليس خاصة بفئة قليلة منهم، فكثير منهم لا ينطلقون من مفاهيم إيمانية وأخلاقية، وخاصة في عصرنا هذا، ولكن أحسن المعجم عندما لم يدخلهم في قائمته من الشعراء، وإنه لإيمانٌ ورجاحةُ عقلٍ وسلامةٌ تربوية.

وأما العلمية فمعهم الحق في ذلك، وكنت أودُّ توسيع قاعدتهم في المنع لتشمل بعض أهل النظم المقلِّدين تقليدً بيِّنًا، ممن لا فنَّ شعريَّ عندهم، ولا تُحسبُ قصائدهم في حساب الشعر، ولا هم يفكرون بذلك ولا يريدون أن يطلق عليهم لقب شاعر، مثل قصائد الرثاء والبكاء والعويل والصراخ الكثيرة جدًا التي تخصُّ طائفة معيَّنة من المسلمين، مما هو مكرر ومعروف، ولا مظهرَ فيها لدلالة فنية وأدبية، وكأنها كلها منقولة بعضها عن بعض؛ لتشابهها في الرثاء أو المدح حتى الملل.

وكذلك بعض من توسَّع في مفهوم الشعر الحرَّ فأصدر دواوين لا أثر فيها لوزن أو قافية، وإنما هي كلمات نثر متقطِّعة ...

وقد ذكروا في ترجمة"عبدالحسن الشذر"مثلًا، أن"ما أتيح من شعره قليل غير متقيد بشرط الأوزان ولا القوافي، وكأنما يلقيه على السجية"!

أقول: فلماذا يسمَّى إذًا شعرًا؟ إن ما لا وزن له ولا قافية يسمَّى نثرًا بلا خلاف، بل إن هناك كثيرًا من النثر فيه سجع ووزن وإيقاع جميل يكون أفضل مما قالوا عنه إنه شعر، وإلاّ فهو تجنٍّ على الشعر، لو علموا.

ولو دخلنا في ساحةِ الشعر وفنونه، لما نُظرَ إلى أيِّ منظومةٍ علميةٍ نظرةَ شعر، ولو كان صاحبَ ألفِ بيتٍ في النحو، فهذه تصنَّف في النحو وليس في الشعر وفنونه، وصاحبها يقالُ له ناظم، ولا يُقال له شاعر. ولو عُدَّ الأمرُ كذلك لكان كلُّ عالمٍ ونحوي موريتاني شاعرًا، فلا يكاد يخلو عالم من بلاد شنقيط إلا وقد نظم في علمٍ أو فنّ!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت