تقوم بينهم بنتيجة المجاملة والصداقة , فالأمثلة الكثيرة التي اقتبست في هذا المساق مأخوذة من مذكرات أسامة بن المنقذ (1) ، وهي حقيقة في حد ذاتها وتعد مظهرا من مظاهر قلة هذا النمط من الشواهد. إذ كان أسامة فرد من أفراد أسرة عربية نبيلة حکمت شيزر ما بين العامين 1081 - 1107 (2) . وتربى في شبابه على موضوعين رئيسيين هما الصيد والحرب. لذا نجد معظم مذكراته تدور حول الهواية الأولى أو الثانية من هواياته (3) . وكانت هذه الهوايات تشغل الإهتمام الأول لمن هم على مستوى أسامة الاجتماعي من الفرنجة. وكل ما يمكن استخلاصه من إفاداته هو وجود علاقات صميمة، في كثير من الأحيان، بين أفراد الطبقة العسكرية الصغيرة الحاكمة لدى كل من الطرفين، حيث كانت تطلعاتهم وأذواقهم مشتركة إلى حد كبير، بسبب وضعهم المتميز في المجتمع وحماستهم للحرب والفروسية والصيد والقنص الذي كانوا يشاطرون فيه بعضهم بعضا.
كان الدلائل التي استند إليها مادلان في أفكاره مستقاة من هذا القبيل، وهي التي دفعت غروسية إلى الاستنتاج بأن الفرنجة مدوا جذورهم عميقة في المجتمع المشرقي. ورغم أن كتابات هؤلاء الباحثين تعد من وجهة نظر الكثيرين تجسيدأ التفسير معقول لتلك الشواهد، فإنه من المنطقي كذلك، وعلى قدم المساواة على الأقل، أن نرى في استشراق الفرنجة، وفي الصداقات التي عقدها حكامهم مع أندادهم المسلمين قضايا سطحية وحتمية سواء بسواء (4) . إذ لا يقدم المؤرخان اللذان نحن بصددهما أي دليل على أنهما أدرکا حدود البينات التي يسوقاتها. ويمكن بالتالي انتقاد استنتاجاتهما لقلة الحذر والتحفظ اللذين تتطلبهما تلك الحدود. ففي مناسبة
(3) علق الخلفية الفاطمي «الحافظ» على أسامة مرة تعليقة وثيق الصلة بالموضوع حين قال: «وأي
عمل يمارسه هذا الرجل سوى القتال والصيد؟» (أمامية، ص 220)