ولم يكن ذلك بفضل مهارته الشخصية فحسب وإنما بسبب انخفاض الروح القتالية بين جنود صلاح الدين. إذ كان صلاح الدين قد فاوض حامية يافا قبل بضعة أيام من ذلك بدلا من أن يترك العسكر يأخذونها عنوة. وأحس هؤلاء بأنهم سوف يحرمون من غنائم السلب فحطت هذه المظلمة من معنوياتهم وفاعليتهم كجنود (1)
مما سبق نجد أن الجيوش الضخمة، التي كانت تهدد الدويلات اللاتينية في وجودها، كانت جيوشا شبه إقطاعية في تركيبها نتيجة لبنية المؤسسات السلجوقية والأيوبية. ولم يكن بالإمكان الاحتفاظ بها في الميدان لمدة طويلة. وكان النقص الذي تعاني منه هذه الجيوش في عصر: أنطاكية الجميلة، «bella Antiochena» عدم وجود قادة يملكون سلطة لا منازع لها مع تعرضها للتفرق والتشتت نتيجة نشوب نزاع بين الأمراء الكبار. ولم يكن عهد عماد الدين زنكي ونور الدين عصر الغزوات الطموحة، ولكنها عادت فنشطت في عهد صلاح الدين الذي كانت جيوشه مؤلفة من فرق من جميع أنحاء امبراطوريته أيضا، إلا أن سلطانه وشخصيته ضمنا له وحدة القيادة التي كانت تنقص سابقيه في السنوات الأولى من ذلك القرن (2) ، ورغم ذلك لم تكن سيطرته على قواته وعلى القادة من مرؤوسيه كاملة أحيانا، وأدت الصعوبات التي واجهها من هذه الناحية الى خلق ظروف أخرى كان لها أثرها في تحديد وجود الجيوش الاسلامية لفترة الحملة الواحدة على امتداد القرن كله، وكان موقف مالکي الاقطاعات العسكرية والإدارية حيال الحملات العسكرية متأثرة باحتياجات الإدارة والزراعة، كما كان كل جندي تقريبا يستجيب الى نداء أسرته وبيته. وعندما يضع الشتاء حدة للعمليات الحربية يصبح ذلك النداء غير قابل للمقاومة الى درجة أن
(1) بهاء الدين ص 337، ويشرح ابن الأثير الحادثة نفسها بفارق بسيط ص 65 المجلد 2،
(2) الواقع أن في هذا القول تجن واضح على عماد الدين زنكي واينه نور الدين ولا سيما هذا الأخير، إذ
تجمع المصادر الاسلامية كافة على أنه لم يتخل يوما واحدا عن فكرة الجهاد والتخلص من الوجود الصليبي في البلاد، كان يملك تفكيرا استراتيجية عميقة دفعه إلى السعي لتوحيد البلاد تحت عامله وضمان بقاء مصر إلى جانبه ليتفرغ لطرد الفرنجة، فكانت خطواته هذه المقدمة المنطقية للانجازات التي حققها صلاح الدين من بعده، وإن لم تتح له الظروف الصعبة التي أحاطت به تحقيق ما اراد (المترجم) .